هو في النهاية جنرال

د. بشارة نصار شربل: هو في النهاية جنرال

  • 1 يوليو 2007

سيجدد البلاء الحسن الذي أبلاه الجيش اللبناني ضد إرهابيي "فتح-الإسلام" آمال وأوهام كثيرين في لبنان وخارجه بأن الحل للمأزق السياسي في بلاد الأرز يكمن في وصول جنرال منتصر إلى السلطة ليمسك بالبلاد بيد من حديد بعدما نجح في تلقف كرة النار.

يعزز هذا الاعتقاد نزعة غرائزية لتقدير الأقوياء، ويأس عملي من مشاكل لبنان وحروبه التي لا تنتهي. لكن ما يضيف إلى هذا الاتجاه تأكيداً هو أن المواجهة البطولية التي خاضتها المؤسسة العسكرية ضد التنظيم الإرهابي على مدى أكثر من شهر تعطي صدقية لآمرها كونه تصرف من منطلق وطني عام، فلم تكن معركة الجيش، ربما للمرة الأولى في تاريخ هذه المؤسسة، انتصاراً لفريق لبناني على فريق آخر، أو لطائفة على أخرى، أو لخيار وطني على خيار مناقض. فقائد الجيش الجنرال "ميشال سليمان" خاض بكل عزم ووضوح معركة واضحة المعالم والأهداف ضد إرهابيين يختزنون في أضلعهم وفي عقولهم مزيج الولاء المخابراتي مع الفكر التكفيري، وكلاهما إرهاب يستوجب الاستئصال.

شاءت الظروف أن تنشب معركة "نهر البارد" بالتزامن مع إقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس "الحريري" ومرتكبي سائر الاغتيالات، وشاءت أيضاً أن يخوض الجنرال "سليمان" هذه التجربة بجدارة وشجاعة في حمأة تنازعات وانقسامات لبنانية، وخصوصاً في ظل معارضة قوى "8 آذار" والرئيس "لحود" حسم المعركة "حرصاً على الجيش" في البداية، ثم اعتبار السيد "حسن نصر الله" أن المخيم "خط أحمر" لا يجوز اجتيازه. ورغم ذلك أقدم "سليمان" مدفوعاً بالواجب الوطني ودعم الأكثرية النيابية وتعاطف الشعب اللبناني على تصفية هذه المشكلة، مدركاً في الوقت نفسه أن المترددين والمعترضين ليسوا معجبين بالمنظمة المخابراتية التكفيرية، إنما يخشون خسارة "بؤرة" توتير يمكن استخدامها في النزاع الداخلي?الإقليمي، ويخافون من انتصار تحصد نتائجه حكومة الرئيس "السنيورة" وقوى "14 آذار".

إنها الظروف نفسها التي شاءت أن تندلع مواجهة "نهر البارد" في ظل أزمة سياسية عميقة واستحقاق كبير أقصاه شهر نوفمبر/تشرين الثاني لانتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس الحالي الذي تم التمديد له بعدما تم تطويع الدستور وترويض المعترضين.

في الساحة الآن ثلاثة جنرالات، الأول في قصر بعبدا اسمه "إميل لحود"، وصل إلى "الفخامة" من جنرال بحري وإداري مغمور في بلد يذّكر تاريخه البحري بسفن الفينيقيين التجارية وصباغ الأرجوان ونشر الحرف من مدينة "بيبلوس" إلى أوروبا وسائر الكون، وليس بالأرمادا الإسبانية، ولا بالأسطول السادس الأمريكي. فلم يختبر القادم إلى السدة الأولى (الرئاسة) العسكر إلا رغد عيش وممراً للسياسة بما هي ولاء وإتباع، ولم ينجح في سياسة تبرر استلهام التجربة أو التجرؤ على التكرار.

الجنرال الآخر في فيلا الرابية اسمه "ميشال عون"، عاش الحياة العسكرية شبقاً إلى دور، واختبر العسكر معارك إقليمية وأهلية خاسرة وباهظة الثمن، كانت عينه دائماً على كرسي الرئاسة ويده على الزناد وحنجرته جاهزة للصراخ في أي اتجاه. رشح نفسه إلى الرئاسة معتبراً أنه الوحيد صاحب الحق في منصب حُرم منه، وأنه عاد من النفي الباريسي بعد "انتفاضة الاستقلال" "خميني آخر" يريد أن يقيم العدل في لبنان.

ثالث جنرالات الساحة هو "ميشال سليمان". خلف "لحود" في زمن الوصاية السورية على لبنان، وفضل الظل وقراءة الروايات السميكة حتى اغتيال الرئيس "الحريري"، فتصرف عندها بمسؤولية وطنية استثنائية، موازناً بين فريقي 14 و 8 آذار. حفظ أمن "انتفاضة الاستقلال" التي أخرجت الجيش السوري من لبنان، ثم عضد "حزب الله" في حرب يوليو/تموز الماضي، مؤكداً خيار الجيش الوطني ضد العدو الإسرائيلي، ولم يلبث أن سمح بالاعتصام وسط بيروت واضعاً خطاً أحمر هو احتلال السراي الحكومي أو التعدي على المؤسسات.

هذا الجنرال له اليوم دين عند كل الفرقاء، ويحمل في يديه أمانة شهادة العسكريين حفاظاً على الوحدة الوطنية وعلى سيادة لبنان. هو هذا الجنرال الذي ارتقى بعد معركة نهر البارد من "وزير ملك" اقترحه كثيرون قبل أشهر ليشكل "بيضة القبان" في حكومة وحدة وطنية، إلى "رئيس ملك" ينظر عديدون إليه بصفته صلة الوصل ونقطة الالتقاء بين جناحي لبنان.

في سيرة الجمهورية اللبنانية التي استقلت في العام 1943 ثلاثة جنرالات. واحد جامح انتقل من قيادته إلى قصر الرئاسة إلى قصر الرئاسة بالتكليف المؤقت والانتقالي لتأمين الانتخاب فاستطاب المقام وهو ميشال عون. وآخران ارتقيا من رتبة قائد جيش إلى لقب فخامة الجنرال بعد اضطرابات وانتخابات. أولهما فؤاد شهاب الذي صار رئيس التسوية بعدما أفسح المجال لـ "ميني ثورة" سنية-ناصرية على كميل شمعون حليف حلف بغداد في العام 1958. وثانيهما إميل لحود الذي جاء مثل بابراك كارمال على دبابة سوفيتية لكن بسائق سوري ليحتل قيادة الجيش ويشكل سلطة موازية لسلطة الرئيس إلياس الهراوي منتظراً نهاية عهد الأخير ليجلس مكانه ومثله مكبّل الإرادة طليق اللسان.

تم تعيين الجنرال "ميشال عون" رئيساً لحكومة انتقالية إثر تعذر انتخاب رئيس في العام 1988 خلفاً لأمين الجميل، فخاض "حرب التحرير" ضد دمشق متكئاً على "صدام حسين"، ثم "حرب الإلغاء" ضد فريق من المسيحيين. وكان من نتيجة الحربين تكريس هيمنة دمشق على كل القرار السياسي والأمني في لبنان لعقد ونصف العقد من الزمان. وهو نفسه الجنرال الذي يرنو اليوم إلى الرئاسة مسلحاً بقوة شعبية جدية وبتحالف ملتبس مع "حزب الله".

تغري تجربة "ميشال سليمان" كثيرين لدفعه إلى الرئاسة. سيقولون إنه مختلف عن سائر الجنرالات. هو ربما يكون "فؤاد شهاب" آخر، أو أحد قلائل المتواضعين رغم الأوسمة والإنجازات، أو انه جنرال عاقل وحازم ووطني في آن. هو حتى الآن استثناء بين أقرانه، لكن من يدري؟ كل الجنرالات يبدون قبل تسلم السلطة طيبين. كلهم يُقبلون العلم ويحملون الشهداء ويزورون الثكالى ويحتضنون الأطفال. فهل يحتمل لبنان تجربة جنرال جديد حتى ولو كان مكللاً بالغار؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات