هل كان الأمريكيون على حق؟

د. باسكال بونيفاس: هل كان الأمريكيون على حق؟

  • 7 مايو 2005

يبدو أن ريح الديمقراطية قد بدأت تهب أخيراً صوب العالم العربي لتبعث فيه نوعاً من الانتعاش كما جرى في العراق ولبنان ومصر وفلسطين. ولكن هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية مصدر هذه الريح الجديدة؟ ألا تعد الإرهاصات الديمقراطية، في نهاية المطاف، محصلة إيجابية لحرب العراق التي كثيراً ما كانت موضع انتقادات، ولكنها، على الأقل، تمكنت من تحقيق تغيير إيجابي على الساحة السياسية الشرق أوسطية وفق نوايا المحافظين الجدد المبدئية منها والمعلنة؟ وباختصار، أليس من شأن الأحداث الراهنة أن تؤيد، سياسياً وأخلاقياً، أنصار الحرب ضد أولئك الذين كانوا يعارضونها؟ إن هذه النظرية التي ما فتئت تُتداول يوماً إثر يوم تحتاج إلى وقفة. فإذا كانت حرب العراق قد أفرزت نتائج إيجابية (من بينها نهاية نظام صدام حسين)، فإن الحصيلة النهائية تبقى مع كل ذلك سلبية.

بادئ ذي بدء، لا ينبغي أن ننسى أن هذه الحرب قد تطلبت دفع ثمن باهظ من الناحية البشرية، إذ سقط فيها ما لا يقل عن 100.000 قتيل من الجانب العراقي. وعلاوة على ذلك، فإن جزءاً كبيراً من البلدان الإسلامية ينظر إلى هذه الحرب بوصفها اعتداء على العالم الإسلامي، ومن شأن ذلك أن يشجع على توسيع نطاق الإرهاب الذي كان يفترض أن تتم محاربته.

وحتى صامويل هانتينجتون نفسه، صاحب نظرية "صدام الحضارات"، يرى أن اجتياح العراق قد عزز الإرهاب. وهناك العديد من الشخصيات مثل جورج سوروس وزبيجنيو بريجينسكي وريتشارد كلارك (المسؤول عن مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية سابقاً)، قد أكدوا الفكرة ذاتها. واستناداً إلى ذلك، فإنه من غير الممكن حصر الفئة التي تعتبر أن حصيلة حرب العراق سلبية في مجملها في بعض الفرنسيين المسكونين بفكرة ضرورة مناهضة الولايات المتحدة، أو في مناهضين للعولمة يُـعتبرون حتماً ساذجين وغير واقعيين.

وفي أحسن الأحوال، تكون السياسة الأمريكية قد أفرزت القليل من الديمقراطية والكثير من الإرهاب في الوقت ذاته. ولكن بعض البلدان العربية، على غرار قطر والبحرين وعُمان، لم تنتظر الدفع الأمريكي من أجل خوض مسارها الديمقراطي الذي بدأته في مراحل سابقة. فهناك إجماع واسع مفاده أن الديمقراطية تترسخ أفضل عندما تكون ثمرة مسار داخلي. ومن جهة أخرى، قد يبدو من المتناقض جداً أن تتم الدعوة إلى الديمقراطية في الوقت الذي يتم فيه تقييد الحريات العام باسم محاربة الإرهاب داخل الولايات المتحدة كما يبدو في قانون "باتريوت أكت"، الذي تم فرضه عقب هجمات سبتمبر/أيلول، أو بعض الممارسات التي جرت في جوانتانامو وأبوغريب. وهناك عمليات تسليم أشخاص مشتبه بضلوعهم في الإرهاب إلى بلدان تعرف واشنطن أن التعذيب ما يزال يمارس فيها، وهي تصرفات تشكل "نظاماً" أكثر من كونها مجرد أخطاء فردية، ناهيك عن كونها تطعن في مصداقية الخطاب الأمريكي ذاته.

وفيما يتعلق بلبنان، فإن الانسحاب العسكري المبرر والضروري من قبل سورية ليس له أدنى علاقة بما حدث في العراق. فالأمر، في هذا الشأن، يتعلق بعملية ديالكتيكية قائمة بين الضغط الدولي الذي يحترم الأشكال القانونية (القرار 1559)، ومبادرة شعبية سلمية وواسعة النطاق وعفوية. وهذا ليس له أي شأن بالحرب غير المشروعة في العراق.

وأما بخصوص الانتخابات في فلسطين، فما علينا سوى تقديم التهنئة على إنجازها. ولكن إرجاع ذلك إلى المبادرة الأمريكية يؤدي إلى التساؤل عن عدم تنظيمها من قبل بما أنها كانت مرتقبة في عام 2001.

لقد تبنى المحافظون الجدد سياسة "تغيير الأنظمة"، قاطعين بذلك الجسور مع الواقعية السياسية. وحسب هذه الأخيرة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية توافق على إنشاء تحالفات مع الأنظمة المستبدة أو الديكتاتورية شريطة أن تقبل هذه الأخيرة متطلبات الديبلوماسية الأمريكية. ولكن هل تم استبعاد تلك الآلية بالفعل؟ أفلا يواصل المحافظون الجدد تطبيقها فعلياً مع محاولتهم الابتعاد عن النهج "الكيسنجري"؟ فقائمة "المواقع المتقدمة للديكتاتورية" (وهو مفهوم جاء لتعويض مفهوم "الدولة المارقة" ثم "محور الشر") تضم قبل كل شيء جميع البلدان التي لا تتفاهم معها الولايات المتحدة الأمريكية. فمشكلة بيلاروسيا، على سبيل المثال، لا تتعلق بمسألة سياسية أكثر من تعلقها بمسألة جغرافية. فلو كان هذا البلد جاراً لأفغانستان، لما اعُتبر من قبل واشنطن نظاماً استبدادياً، وإنما كان سيُـعد حليفاً في مكافحة الإرهاب. وقد أصبحت ليبيا تحظى باهتمام في واشنطن، ليس مردٌّه كونها ديمقراطية أو أنها في طور تحقيق ذلك، وإنما السبب، بكل بساطة، أن القذافي توقف عن توجيه الانتقادات إلى السياسة الأمريكية.

وأخيراً، ما زالت الولايات المتحدة تطبق بطريقة انتقائية القيم التي تصفها بالعالمية. ويتمثل العامل الجوهري بالنسبة إليها في "الولاء الاستراتيجي" وليس في الطابع الديمقراطي لأي حكومة من الحكومات. وباسم مكافحة الإرهاب، يتم غض الطرف عن الطابع الديكتاتوري لهذا النظام أو ذاك، مثلما كان يحدث في مكافحة الشيوعية تماماً. فعندما يتم إعداد استراتيجيات تغيير الأنظمة، فإن الهدف الرئيس لا يتعلق بالسماح للشعوب بالتمتع بنتائج الديمقراطية الإيجابية بقدر ما يتعلق بضمان انصياع الحكومات الجديدة. وفي هذا الشأن، فإن المحافظين الجدد، رغم التصريحات التي يدلون بها، لا يقاطعون إطلاقاً الواقعية السياسية التي ينتقدونها.

في الماضي، حاول الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بالفعل أن يوفق بين الشعارات المعلنة والتطبيق الميداني، وكان يعتقد أن المسار الديمقراطي هو الخيار الأفضل لصد الشيوعية. ومن ثم، عمد إلى قطع جسور التواصل مع العديد من الأنظمة المستبدة التي كانت لها علاقة بالولايات المتحدة الأمريكية أو ابتعد عنها. لكنه من غير المتوقع أن يشكل كارتر قدوة للإدارة الأمريكية القائمة حالياً.

فإذا توافرت فعلاً الإرادة في أن تنتشر القيم العالمية التي ندعو إلى ترويجها، يتعين أن نكون منسجمين معها أولاً، وأن نحترمها قبل أن ننشرها على مستوى العالم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات