هل أسعار النفط مرتفعة؟

  • 3 مايو 2005

منذ فترة ليست قصيرة والقلق من آثار أسعار النفط الحالية المرتفعة في الاقتصاد العالمي، وفي اقتصادات الدول الصناعية المستهلكة بشكل خاص، يهيمن على توقعات الغالبية من المحللين. ويمكن لمس هذا القلق في الميل نحو إرجاع أي مؤشر من مؤشرات التلكؤ الاقتصادي في الدول الصناعية إلى أسعار النفط المرتفعة. إذ تميل أعداد متزايدة من الاقتصاديين إلى إرجاع دخول الاقتصاد الأمريكي مجددا في ما اصطلح على تسميته بـ "المطبة الهوائية" إلى أسعار النفط المرتفعة التي تقوم، حسب اعتقادهم، مقام الضريبة الإضافية على المستهلك، مما يحد من الإنفاق الاستهلاكي الذي مثل القاعدة الأساسية ليس لانتعاش الاقتصاد الأمريكي بل وللنمو الاقتصادي العالمي. وإلى أسعار النفط المرتفعة يعزو الكثير من الاقتصاديين ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة، والذي بات يمثل الهاجس الأول لصانعي القرار النقدي ودافعا لهم لرفع أسعار الفائدة.

لا يشك أحد في أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد ترك وسيترك في حالة استمراره آثارا سلبية مباشرة في جميع الاقتصادات المستهلكة بضمنها الاقتصاد الأمريكي، ويمكن أن نجد بعض انعكاساتها في العديد من المؤشرات. غير أن الاعتماد على مستويات الأسعار الحالية للحديث عن "انفلات" وعن "هزة نفطية" يمكن أن تدفع بالاقتصاد العالمي نحو الركود على غرار ما أحدثته الهزات السابقة، لا يخلو من مبالغة ومن مقارنات غير دقيقة وغير علمية، ذلك يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسية، الأول، أن سعرا للنفط يتجاوز 50 دولارا للبرميل، وإن كان مرتفعا بل وقياسيا في سجل الأسعار الاسمية المسجلة، إلا أنه من حيث قيمته الحقيقية التي تأخذ عامل التضخم بنظر الاعتبار، يبقى أقل من نصف مستواه المسجل في السبعينيات. وعلى هذا الأساس فإنه لا يعتبر سعرا مرتفعا للغاية حتى وإن تجاوز من حيث قيمته الاسمية جميع الأسعار السابقة. ثانيا، أن العالم وعلى الرغم من زيادة استهلاكه للنفط الخام وبقاء هذا المصدر أحد المصادر الرئيسية المولدة للطاقة، قد استطاع ومن خلال آليات متنوعة أن يخفض اعتماده النسبي على النفط. فقد أصبحت غالبية الدول الصناعية المتقدمة تستخدم الآن نصف كمية النفط الخام الذي كانت تستخدمه في السبعينيات لإنتاج كل وحدة واحدة من الناتج المحلي الإجمالي. لذلك لم تعد أسعار النفط تنطوي على التأثير الاقتصادي نفسه الذي كان ينطوي عليه في الماضي، ما يعني أن ارتفاعها أصبح أقل وطأة مما كان عليه في العقود الماضية. ثالثا، أسهم الهبوط الحاد الذي تعرض له الدولار الأمريكي، والذي على أساسه يتم تسعير مبيعات النفط في الأسواق العالمية، في تخفيف وطأة ارتفاع الأسعار على جميع الاقتصادات العالمية باستثناء الاقتصاد الأمريكي. وعلى سبيل المثال، يعني فقدان الدولار ما يقارب 40% من قيمته أمام اليورو شطب 40% من سعر النفط بالنسبة إلى الدول الأوروبية المستوردة للخام. وأخيرا وبما أن ارتفاع أسعار النفط ناجم عن ازدهار الطلب وليس شحة في الإمدادات، فإنه يعكس قوة ونمو الاقتصاد العالمي وبالتالي مقدرته على تحمل مستويات أعلى من الأسعار مما كانت عليه الحال في السابق. لذلك فإن أسعار النفط الحالية ليست على تلك الدرجة من الارتفاع الذي يهدد الاقتصاد العالمي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات