نزوح العراقـيين

  • 19 فبراير 2007

نشرت المنظمة الدولية للهجرة، مؤخرا، إحصاءات مثيرة للقلق بشأن أعداد العراقيين النازحين داخل بلادهم هربا من أعمال العنف، حيث تشير هذه الإحصاءات إلى أن عدد هؤلاء قد يبلغ نحو 2.4 مليون نسمة مع نهاية العام الحالي إذا استمر انعدام الأمن، وأنه مع نهاية عام 2006 كان هناك نحو 1.4 مليون عراقي فروا من أعمال العنف، وقالت المنظمة إن 46% من النازحين في الداخل لا يتلقون أي مساعدات غذائية، وإن كثيرين منهم يعيشون في ظروف غير مناسبة، والأخطر من ذلك بحسب -المنظمة- أن أطفالا تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة في محافظة ديالى التحقوا بمجموعات المتمردين من أجل كسب لقمة العيش أو سعيا للانتقام لمقتل أحد أفراد عائلتهم.

والمعاناة لا تقتصر بالطبع على نازحي الداخل فهناك بموازاة هذه المأساة مشكلة النازحين العراقيين إلى خارج البلاد، والذين تتزايد أعدادهم بشكل مطرد دفع الأمم المتحدة إلى تنظيم مؤتمر للدول المانحة في إبريل للاتفاق على صيغة لإدارة أزمة تتعلق بنحو مليونين فروا إلى خارج البلاد هربا من أعمال العنف في بلادهم. وهذه الأعداد من النازحين دفعت المراقبين إلى الحديث عن موجة هجرة جديدة هي الأكبر في المنطقة منذ تلك التي شهدتها الأراضي الفلسطينية إثر حرب عام 1948.

الكارثة الحقيقية هي أن المجتمع الدولي لم ينتبه إلى خطورة هذه الظاهرة سوى في الآونة الأخيرة حيث أفاق العالم على نداءات المنظمات الدولية المعنية التي تحذر من استفحال الظاهرة وتحولها إلى مأساة إنسانية جديدة تحتاج إلى سنوات طوال لمعالجة آثارها الاجتماعية والنفسية. مشكلة "اللاجئين العراقيين" تحتاج إلى طاقات دولية أكبر من حشد الدعم المالي والمعونات والهبات المخصصة لتحسين الأحوال المعيشية لهؤلاء في أماكن إقامتهم، وتتطلب وعيا سياسيا بضرورة وقف هذا النزيف البشري سواء للحفاظ على الاستقرار الأسري والاجتماعي لهذا الشعب العريق، أو منعا للخلخلة السكانية المحتمل حدوثها في بعض المناطق بما يترتب عليه أوضاع ديموجرافية جديدة تضاعف من تعقيدات المشهد العراقي الراهن، خصوصا في ظل الاعتراف بحدوث عمليات "تطهير عرقي" في العاصمة بغداد على سبيل المثال.

والمأمول أن تتم المواءمة خلال المرحلة المقبلة بين المسارات الأمنية والسياسية والاقتصادية بحيث توظف أي فرص للاستقرار الأمني في تحقيق مصالحة سياسية وطنية شاملة ومحاولة فتح نوافذ فرص وآفاق معيشية جديدة أمام العراقيين بحيث يرون ضوءا في نهاية النفق المملوء بالعنف وأشلاء ضحايا العنف والإرهاب الدموي الأعمى الذي قض مضاجع العراقيين جميعا.

فبعد كل هذه الدماء التي سالت في مدن العراق وشوارعه يفترض أن هناك تشخيصا محددا للعوامل التي تغذي أجواء العنف وتقود إلى نزوح العراقيين هربا من هذه الأجواء سواء إلى الخارج أو الداخل، ومن الضروري العمل على استئصال هذه الأسباب بجدية ومن دون استثناء كي يمكن الحديث عن مولد أمل جديد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات