نحو رؤيـة مغايرة للمستقبل

  • 17 أبريل 2005

في غمرة انشغال العالم بالأحداث التي شهدها الأسبوع الماضي، شهدت بنجالور، أو مدينة التكنولوجيا الهندية أو وادي السيليكون الهندي، كما يطلق عليها الخبراء، تطورا مهما يمكن أن يكون أول ملمح في تحولات جيواستراتيجية ضخمة قد تشهدها العقود المقبلة. حيث دعا وين جيا باو، رئيس الوزراء الصيني، أثناء زيارته للمدينة، التي تشكل عصب صناعة تكنولوجيا المعلومات في الهند، نيودلهي للتعاون كي تصبحا أقوى دولتين في تكنولوجيا المعلومات في العالم، معلنتين بذلك ما وصفه المراقبون بـ "عصر آسيوي جديد"، وأعرب رئيس الوزراء الصيني عن "إيمانه الشديد" بمقدرة الدولتين على صنع مسار جديد لصناعة المعلوماتية في العالم. والمتأمل لما شهدته العلاقات بين العملاقين الآسيويين خلال هذه الزيارة، يدرك بوضوح أن هناك إرهاصات وتغيرات في هيكلية العلاقات الاستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وأن أي تحالفات أو صيغ للتعاون بين هؤلاء العملاقة ستولد أقطابا جديدة قد تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، فالهند مركز إقليمي وعالمي حيوي لصناعة المعلومات وتسعى بقوة إلى اللحاق بالصين، التي كانت أول دولة آسيوية تنجح في إطلاق مركبة فضائية العام الماضي.

هذا التحالف التكنولوجي، الذي لم تتبلور ملامحه بعد بين الصين والهند، سيفرز معطيات استراتيجية عديدة تأتي في وقت تغرق فيه المنطقة العربية في مستنقع الخلافات والضبابية والتشرذم والحروب الكلامية والمؤشرات التنموية، التي ترسم لها التقارير المتخصصة صورة قاتمة دفعت بمعدي تقرير التنمية البشرية السنوي في العالم العربي إلى التحذير مما وصفوه بـ "الخراب الآتي" في حال استمرار الوضع العربي التنموي الراهن على حاله. العالم يتحول ويتغير من حولنا ويبحث عن أسباب التقدم والمنافسة في ظل تيارات العولمة الجارفة والعاتية، والدول العربية بحاجة حقيقية إلى أن تستجيب لنداءات الخبراء والمتخصصين وتستيقظ من سباتها للتغلب على المشكلات المزمنة التي تواجهها، وفي مقدمتها شبح البطالة الذي يعتبره الخبراء "قنبلة موقوتة" تتصاعد أرقامها وتهدد بانفجار اجتماعي في أي لحظة ما لم يتم تجاوز الأسباب المؤدية إليها، فالأولوية المطلقة يجب أن تعطى لإيجاد نحو 80 مليون فرصة عمل تحتاجها الدول العربية من الآن وحتى عام 2020، للحفاظ فقط على المستوى الحالي للبطالة الذي يتراوح حاليا ما بين 15% إلى 30%.

إن التحالف التكنولوجي الذي تتبلور ملامحه في آسيا يضع العالم أجمع أمام تحدي العولمة، حيث الفرصة والآفاق مفتوحة لمن ينتج ويبتكر ويقدر على خوض غمار المنافسة ولا مجال للمتكاسلين ولا موقع لهم على خارطة القرن الجديد، والأهم من ذلك أن هذا التحالف سيعزز الفجوة الرقمية ويكرس التخلف التكنولوجي الذي تعانيه الكثير من دول العالم، وهي فجوة لا تؤثر فقط في مؤشرات التنمية الاقتصادية، ولكنها تهدد أيضا الأمن القومي للدول، انطلاقا من حيوية الدور الذي باتت تلعبه التكنولوجيا في القطاعات العسكرية والأمنية. الخبراء يحذرون منذ سنوات من البقاء في أسفل سلم التنافس التكنولوجي وغياب الأنظمة والآليات والأطر القادرة على إنتاج المعرفة ودعم قيمها، وثورة المعلومات تكرس نفسها تدريجيا كمحرك جديد للتنمية الاقتصادية، والمأمول أن تتعامل الدول العربية بمزيد من الجدية مع هذه المؤشرات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات