نحو إدارة أكفأ للفوائض النفطية

  • 22 يناير 2006

لا تكاد تتوقف التقارير والتقديرات حول الحجم الهائل للإيرادات المالية التي حققتها ويتوقع أن تحققها الدول المنتجة للنفط، ومنها دول منطقة الخليج العربي، بفضل الأسعار المرتفعة للخام والمسجلة على مدى العامين الماضيين. ولعل آخر هذه التقديرات قد صدر قبل أيام عن إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية والذي وضع إيرادات دول "أوبك" خلال العام المنصرم عند نحو يصل إلى 473 مليار دولار ارتفاعا من 330 مليار دولار في عام 2003 مع توقعات بصعودها إلى 522 مليار دولار في عام 2006.

وبعيدا عن لغة الأرقام وما قد تنطوي عليه من هوامش للخطأ قد تزيد أو تقلل من الحجم الحقيقي للإيرادات النفطية، فإن من الواضح أن دول الخليج العربية المنتجة للنفط أصبحت أمام مهمة في غاية الأهمية تتمثل في إدارة فوائض مالية غير مسبوقة بطريقة تحقق لها أقصى العوائد، وتمكنها من إرساء أسس صحيحة لاقتصادات تتمتع بحصانة من التقلبات التي تطرأ على أسواق النفط وتمتلك مقومات النمو والازدهار المستديمين. وتبرز أهمية الإدارة الصحيحة والمجدية لفوائض النفط بشكل أكبر في ضوء تجارب الازدهار النفطي السابقة التي، وإن أفضت إلى نقلات اقتصادية وتنموية مهمة تمثلت ببناء اقتصادات حديثة وتضاعف معدلات الدخول وزيادة في كمية الخدمات ونوعيتها، لكنها لم تفض في الغالب إلى بناء اقتصادات مرنة تتمتع بالقدر المطلوب من التنوع ومقومات النمو المستديم.

وثمة توجه ملموس لدى دول الخليج العربية رصدته العديد من التقارير نحو الاستفادة من دروس التجارب الماضية من إدارة الإيرادات النفطية، وهو اتجاه تظهر معالمه في نوعية الاستثمار الحالي لهذه الإيرادات وفي طبيعة مشاريع الاستثمار الحالية. فهناك الآن مشاريع كبرى تستوعب عشرات المليارات من الدولارات تهدف إلى توسيع قطاع الطاقة في المنطقة استجابة لآفاق النمو العالمي على مصادر الطاقة وتسعى إلى إنشاء أنشطة اقتصادية مستقلة بعيدة التأثير عن دورة الإيرادات النفطية وتقلباتها. وهناك أيضا درجة أكبر من التعقيد في الاستثمار في الأصول المالية العالمية انعكست بآثار مباشرة على أسواق المال والبضائع الدولية. وثمة فورة في الاستثمارات الخليجية في مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية داخل الدول الناشئة تظهر آثارها في مشاريع استثمارية كبيرة وفي صعود كبير في عمليات الاستحواذ والسيطرة تقوم بها شركات خليجية عديدة.

ومع ذلك فإن الأسئلة حول إدارة الفوائض النفطية تبقى قائمة مع استمرار وتزايد هذه الفوائض ومع انحسار واستنفاد مجالات الاستثمار الدولي المحلي وأيضا مع خطورة تحول تلك الفوائض إلى أعباء تولد مظاهر اقتصادية غير حميدة. فإذا كانت حالة التخلف الاقتصادي قد حتمت في السابق إنفاق الجزء الأكبر من الإيرادات النفطية على مشاريع استهلاكية وخدمية ضخمة، وهو ما ترتب عليه تطور أنماط من السلوك الاقتصادي غير المنتج وأدى إلى نشوء اختلالات خطيرة، فإن بلوغ الاقتصادات الخليجية درجة عالية من التطور والتعقيد يحتم البحث عن أكفأ السبل لاستثمار الفوائض حتى يمكن أن تعطي أفضل النتائج.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات