مُشّرف: هل حان وقت الرحيل؟

د. عادل رشيد: مُشّرف: هل حان وقت الرحيل؟

  • 12 يونيو 2007

مرة أخرى يقف الرئيس الباكستاني الجنرال "برويز مشرف" في "خط النار"، وهو المصطلح الذي ورد في عنوان كتابه المنشور العام الماضي، لكن التهديد هذه المرة لا يأتي من قوى الإرهاب، بل من خرقه للقانون وتعطيل مسيرة الديمقراطية، فبعد تعرضه لهجمات انتحارية عديدة في وقت سابق، أصبح الخطر يحدق به مرة أخرى وبقوة، نتيجة الاحتجاجات والمظاهرات العنيفة التي يقودها المدنيون المحسوبون على الطبقة المتوسطة، والتي تدعو إلى استعادة الديمقراطية وحكم القانون.

ولا يستطيع أحد أن يتجاهل حقيقة أن حكم الجنرال "مشرف"، منذ استيلائه على السلطة في انقلاب عسكري عام 1999 وحتى الآن، نجح في استعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد، وفي تعزيز مكانة "مشرف" نفسه لدى المجتمع الدولي باعتباره حليفاً استراتيجياً في الحرب العالمية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الإرهاب، فضلاً عن دوره في تحسين علاقات بلاده مع الهند. كما أسهمت إدارة "مشرف" للبلاد في تحقيق انتعاش اقتصادي ملحوظ بعد أن كانت تعاني من أزمة اقتصادية حادة عند استيلائه على السلطة؛ حيث يبلغ معدل النمو السنوي للناتج القومي الإجمالي الآن أكثر من 7%، بينما يزداد معدل تدفق الاستثمار الأجنبي وخاصة في قطاعي الطاقة والبنوك.  

ورغم ذلك، يرى عدد من المراقبين أن المواطنين باتوا يشعرون بالضجر من هذا النظام الشمولي، الذي أصبح الآن متهماً بتعديل الدستور لمصلحته، وانتهاك مؤسسات الدولة، بما فيها النظام القضائي، بشكل متكرر، حتى أصبح كثير من الباكستانيين يشعرون بالأسى والأسف لانتخاب "مشرف" رئيساً لهم في استفتاء عام 2002، والذي كان مشوباً بالعديد من المخالفات القانونية حسبما اعترف هو نفسه بذلك لاحقاً. وينتقده الشعب أيضاً لقيامه بتعديل الدستور بالشكل الذي يسمح له بعزل الحكومة والبرلمان حسب رغبته.

ونظراً لأن موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر إجراؤها هذا العام أصبح وشيكاً، فقد كان من الطبيعي أن تؤدي تلك المخاوف والانتقادات المتزايدة إلى غرق "مشرف" في أزمة سياسية حادة. وكانت المؤشرات على ذلك واضحة للعيان منذ وقت مبكر من هذا العام؛ حيث حذرته المعارضة من مساعيه الرامية إلى إعادة انتخابه رئيساً للبلاد من جانب البرلمان الحالي الذي يسيطر هو وحزبه عليه قبل موعد حله وإجراء الانتخابات التشريعية المقررة أيضاً هذا العام؛ حيث تطالب قوى المعارضة بإجراء الانتخابات البرلمانية أولاً ثم يقوم البرلمان الجديد بانتخاب الرئيس الجديد. فيما يرى مؤيدو "مشرف" أنه بما أن الدستور يسمح بإجراء انتخابات رئاسية في سبتمبر 2007  فليس هناك حاجة للانتظار حتى  يتم انتخاب البرلمان الجديد. 

كما تعرض الرئيس "مشرف" للانتقاد بسبب غموض موقفه من مسألة التخلي عن منصبه كقائد للجيش بحلول نهاية 2007، وهو أمر ملزم بموجب الدستور. ويرى منتقدو "مشرف" في هذا الصدد أن مراوغته في هذا الخصوص كانت واضحة خلال رده الفوري على سؤال حول تخليه عن زيه الرسمي؛ حيث قال: "سوف نعبر ذلك الجسر عندما نصل إليه".  

وسط هذه الأجواء السياسية المشحونة بالتوتر، أدى وقوع حدث فردي بسيط إلى إشعال فتيل أزمة سياسية كبرى في باكستان، ففي مارس/آذار2007،  قام الرئيس "مشرف" بعزل رئيس المحكمة العليا "افتخار محمد تشودري" بتهمة "إساءة استغلال السلطة"، رغم أن تلك التهمة مازالت غير مؤكدة. ويشكك فيها كثير من المعارضين الذين يزعمون أن بعض المسؤولين طلبوا من "تشودري" أن يتبع تعليمات الحكومة أو أن يترك منصبه، وعندما اختار القاضي أن يترك منصبه، تم توجيه تلك الاتهامات المختلقة له.

وترتب على هذه الأزمة، اندلاع عاصفة من المظاهرات التي قادتها أحزاب المعارضة والقضاة في كافة أنحاء البلاد، للتنديد بهذا السلوك، وزعم خلالها المتظاهرون أن الرئيس "مشرف" قام بإيقاف رئيس المحكمة العليا؛ لأنه نزيه ولا يمكن أن يعتمد عليه في حال إذا ما تم الطعن في شرعية إعادة انتخابه أو قرر عدم تخليه عن منصب قائد الجيش. ويبدو ذلك الحادث وما أثاره من ردود فعل غاضبة غير مسبوق بالنسبة للرئيس "مشرف"، الذي كان قد تعرض لأزمة مشابهة في السابق لكنها لم تنفجر بهذا الشكل، ففي عام 2000، امتنع خمسة قضاة بالمحكمة العليا عن تجديد حلف اليمين لمناصبهم القضائية بدعوى عدم رغبتهم في العمل تحت الحكومة العسكرية، كما تم تغيير رئيس المحكمة العليا أيضاً آنذاك، ولم تحدث مشاكل ضخمة.

ولكن يبدو أن "مشرف" أساء فهم الظروف السياسية هذه المرة، فقد اندلعت مظاهرات واسعة النطاق ضد الحكومة، لدرجة أن رئيس المحكمة العليا الموقوف قال أمام حشد غفير من آلاف المحامين بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي للمحكمة العليا والذي يوافق هذا العام: "لا يمكن مقاومة إرادة الشعب لأمد طويل"، معتبراً أن تمركز السلطة في شخص واحد أو مؤسسة واحدة هو أمر خطير". في الوقت الذي ازدادت فيه الأمور سوءاً وتعقيداً، ففي الثاني عشر من مايو/أيار الماضي قتل 40 متظاهراً في أحداث شغب في كراتشي، وتم إلقاء اللوم والمسؤولية فيها على حركة القومية المتحدة المؤيدة للرئيس. وقد اهتزت الدولة للحادث ودعت المعارضة لمظاهرات واسعة النطاق للتنديد به؛ حيث طالب المتظاهرون "مشرف" ليس فقط بالتخلي عن زيه العسكري، بل والتخلي أيضاً عن السلطة.  

من جانبه، حاول الرئيس الباكستاني إلقاء اللوم على المعارضة واتهمها بتسييس موضوع قانوني، ولكن الخطاب لم يلق دعماً كافياً حتى من وزرائه أنفسهم. في الوقت الذي اتسمت فيه ردود أفعال الحكومة تجاه المتظاهرين بالعنف والتخبط، بشكل عمق من الأزمة، ففي الثالث من يونيو/حزيران2007، على سبيل المثال، أصدر الرئيس مرسوماً يمنح مزيدًا من الصلاحيات للحكومة لحظر القنوات التلفزيونية المستقلة، وحتى قبل إصدار هذا المرسوم، اشتكت قنوات تلفزيونية كثيرة من حدوث تشويش في البث التلفزيوني. كما قامت الشرطة بإلقاء القبض على 300 عضو بأحزاب المعارضة قبل المظاهرة التي نظمتها هذه الأحزاب للاعتراض على إصدار هذا المرسوم.

 وواجه الصحافيون تصرف الحكومة بمظاهرة غير مسبوقة، تمكنوا خلالها من تعطيل افتتاح جلسة مناقشة ميزانية المجلس القومي (البرلمان) في السادس من هذا الشهر، وحتى الإدارة الأمريكية التي لم تعلن موقفها صراحة من هذه التطورات حتى الآن، حذرت نظام "مشرف" من حدوث انتكاسة في مسيرة الحرية بما فيها حرية الصحافة.  وشنت الصحافة الغربية هجوماً لاذعاً على هذا المرسوم الأخير. ولم يمض وقت طويل حتى أمر رئيس الوزراء الباكستاني، في إطار نهج سلمي، بإسقاط كافة الشكاوى المرفوعة مسبقاً ضد حوالي 200 صحفي وأعضاء أحزاب المعارضة ونشطاء ومؤيدي الديمقراطية الذين تظاهروا ضد تضييق الخناق على المحطات التليفزيونية والإذاعية. كما قامت الحكومة نفسها، في تطور لافت، بإلغاء المرسوم الإعلامي الذي صنع كل هذه الضجة. ومع ذلك، لم تهدأ أصوات المعارضة، في الوقت الذي انتقد فيه الرئيس أعضاء حزبه الحاكم الذين لم يؤيدوه بالقدر الكافي وقت الأزمة.

 وبينما يشتعل فتيل الأزمة القضائية، يتأزم الموقف الأمني في المناطق الحدودية، فالمناوشات الأخيرة مع القوات الأفغانية على الحدود، والنقد المتزايد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بشأن عدم السيطرة على حركة طالبان، انعكست سلباً على علاقات إسلام آباد مع كابول وحتى مع واشنطن، لاسيما مع صعود نجم الديمقراطيين بالكونجرس الأمريكي؛ حيث أصبحت الشكوك الأمريكية في مصداقية وشرعية نظام "مشرف" جلية وماثلة للعيان.

وقد تزامنت هذه الأزمات مع تجدد أزمة الإقليم البلوشي الغني بالطاقة، والذي شهد عمليات تمرد على نطاق محدود خلال العامين الماضيين؛ بحيث أصبح الوضع الأمني العام في البلاد متأزماً، لدرجة أن الزعماء الدينيين للمسجد الأحمر في العاصمة إسلام آباد، باتوا يهددون الحكومة بعمليات جهادية وانتحارية، مما اضطرها إلى اتباع نهج سلمي لكبح جماح المتطرفين. 

لقد تضاعفت مشاكل النظام الباكستاني بشكل جعل كثيراً من المحللين السياسيين يعتقدون بأن النظام السياسي الحالي سينهار، ولن يستمر للانتخابات القادمة. ومن هؤلاء المحلل السياسي البارز، "أحمد راشد"، الذي يكتب لصحيفة واشنطن بوست، والذي أكد أن الرئيس "مشرف" لن يستمر على الأرجح في منصبه حتى نهاية هذا العام، معتبراً أن تصرفاته الهوجاء المستمرة قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية. ومع ذلـك، فإن إدارة "بوش" مازالت تقدم دعمها له، وقد يستمر هذا الدعم لأن في هذه الإدارة من يعتقد أن السلطة المدنية في باكستان ستجد صعوبة في أن يستمر الجيش في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الإرهاب. ولكن إذا استمر نظام "مشرف" في سياساته الراهنة واتخذ إجراءات مشددة ضد المظاهرات المتزايدة أو قام بفرض الأحكام العرفية في البلاد، فإن الموقف سيبدو أكثر صعوبة لمؤيدي هذا النظام. 

وترى بعض التقارير أن الحكومة الباكستانية ربما تسعى بعد أن أغلقت ملفات التحقيق قي قضايا الفساد المزعومة ضد رئيسة الوزراء السابقة "بناظير بوتو"، إلى عقد صفقة سياسية مع حزبها (حزب شعب باكستان) لاقتسام السلطة المدنية-العسكرية في المستقبل، ولكن إذا استمر "مشرف" في مساعيه الحالية للاستئثار بالسلطة وإذا استمرت شعبيته في التراجع بشكل أكثر سوءاً، فإن أي فرصة لتسوية سلمية محتملة بين النظام الحالي وأحزاب المعارضة، ستبدو مجرد سراب ووهم زائف.

إن انفراج الأزمة الحالية وضمان سير الأمور في مسارها الطبيعي، يكمن فقط في يد الرئيس "مشرف"، وذلك بتخليه طواعية عن منصب قائد الجيش، ثم الخوض كمرشح، بدون الزي العسكري، في انتخابات رئاسية حرة ونزيهة. وربما يمثل ذلك مجازفة من قبل الرئيس، لكنه الحل الأمثل لانفراج الأزمة. ومع الأخذ في الاعتبار السجل المشرف لفترة حكمه وإنجازاته الاقتصادية، تظل هناك فرصة هائلة له لتحقيق الفوز في مضمار الانتخابات الرئاسية. وبالتالي، فقد حان الوقت للرئيس "مشرف"، لأن يحول هذا التحدي إلى فرصة، وأن يتصرف كرجل دولة محنك وليس كقائد عسكري.

 هناك العديد من النتائج أو الاحتمالات التي قد تسفر عنها الأزمة الحالية في باكستان، تتراوح ما بين الاستيلاء على السلطة عسكرياً والتحول الكامل إلى الديمقراطية، سواء بانقلاب إسلامي أو حتى من خلال حدوث انفراج تدريجي للأزمة الحالية، وإجراء مصالحة وطنية عامة تستجيب للظروف السياسية الحالية. ويبدو الاحتمال الأكثر ترجيحاً في هذا السياق، هو ذلك المتمثل في حدوث نوع من تقاسم السلطة عسكرياً ومدنياً، سواء مع وجود مشرف أو بدونه، بحيث يتم الفصل بشكل قانوني بين منصبي الرئيس وقائد الجيش. 

حينما تُواجه باكستان باحتمال تغيير الحكومة، سواء كانت حكومة مدنية أو نظام حكم عسكري، فإن هذا التغيير عادة ما يكون جذرياً وشاملاً. ولكن الخلل سيكمن على الأرجح في ضعف أداء مؤسسات الدولة، وهي مشكلة تكاد تواجهها كل دول العالم الثالث ولاسيما الدول الإسلامية. وما لم يتم فرض سيادة القانون والدستور، والحفاظ على هيبة أجهزة الدولة، وتطبيق حكم القانون ومبادئ الحكم والشرعية نصاً وروحاً، ستظل باكستان عرضة لنوبات متكررة من حالات عدم الاستقرار والأزمات الطاحنة. ومن ثم، فالأزمة الحالية تعكس مشكلة أساسية وعميقة الجذور تكاد تفتك بنظام الدولة السياسي وتعرضه للانهيار.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات