من الذي أضاع العراق؟

د. كينيث كاتزمان: من الذي أضاع العراق؟

  • 4 أكتوبر 2006

في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث يمكن أن تؤدي الانتخابات التمهيدية المقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 إلى انتقال الأغلبية، ومن ثم السيطرة في الكونغرس الأمريكي، من حزب سياسي إلى آخر، يدور الجدل الرئيسي الآن حول تساؤل جوهري مؤداه: "من الذي أضاع العراق؟" أو بعبارة أخرى " من الذي يتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع في العراق؟"، وذلك في الوقت الذي تظهر فيه استطلاعات الرأي العام تزايد أعداد الأمريكيين الذين يعتقدون بأن هناك القليل الذي يمكن للولايات المتحدة أن تفعله لتعيد الاستقرار إلى هذا البلد.

 لقد كان هناك بصيص أمل لاستعادة الأمن والاستقرار المنشود في العراق بعد نجاح الانتخابات التي أجريت في العراق في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2005، والتي شارك فيها العرب السنة وتمخض عنها تشكيل حكومة جديدة ضمت معظم الفرقاء العراقيين، ولكن، ورغم مضي نحو أربعة شهور على تولي حكومة "نوري المالكي" السلطة، ما زالت وتيرة العنف من جانب "المتمردين" تتفاقم دون توقف، بل إن وتيرة العنف الطائفي تزايدت إلى النقطة التي جعلت العديد من المحليين يصرحون بأن العراق يشهد بالفعل حربا أهلية، وبينما يعتقد بعض الخبراء بأن فرص نجاح سياسة الولايات المتحدة في العراق ما زالت قائمة إذا ما تم الدفع بما يتراوح بين 50.000 و 60.000 جندي أمريكي آخرين إلى ساحة القتال، فإن القيادة السياسية الأمريكية يبدو أنها لا ترغب في رؤية الجيش الأمريكي يتكبد المزيد من القتلى والجرحى من جراء العمليات الحربية المكثفة ضد "المتمردين".

 لقد حاولت الإدارة الأمريكية جمع الرأي العام وتوحيده حول رؤية عراق مستقر وديمقراطي وشريك في الحرب العالمية ضد "التطرف الإسلامي"، لكن الرأي العام ظل متشائماً حيال النتائج والتطورات التي يشهدها هذا البلد منذ احتلاله، رغم محاولة الخبراء وموجهي الرأي العام والسياسيين في أمريكا أن يضعوا اللوم على الوضع الذي يبدو خارج السيطرة في العراق.

 ومن حيث الخطوط العريضة، يبدو أن الجدل المثار الآن يدور بين أولئك الذين يعتقدون بأن قرار إسقاط "صدام حسين" عسكرياً كان خطأً كبيراً منذ البداية، وأولئك الذين يوافقون على القرار من حيث المبدأ ولكنهم يرون أن الجهود الأمريكية لم تسخر بصورة كافية لتحقيق الأهداف التي وضعت لهذه الحرب.

 وفيما يتعلق بالاتجاه الأول، فإن العديد من الخبراء الأمريكيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، لاسيما أولئك الذين كانوا يشغلون مناصب دبلوماسية يعتقدون بأن قرار إسقاط نظام "صدام حسين" عسكرياً كان في حد ذاته خطأ، وأن التمرد والفوضى العارمة التي تسود العراق حاليا كانتا نتيجة حتمية لهذا القرار، والذي جاء بدوره نتيجة للتقدير الخاطئ من جانب الخبراء الأمنيين من "المحافظين الجدد"، الذين أصبحوا يتمتعون بنفوذ واسع في ظل إدارة بوش، ولكنهم يفتقرون إلى الدراية بالسياسات السائدة في المنطقة؛ حيث كانوا يعتقدون بأن الانجذاب الطبيعي الكامن في النفس البشرية نحو الديمقراطية يمكن أن يتغلب على الخلافات السياسية والثقافية والدينية.

 ويعتقد بعض أنصار هذا الاتجاه من منتقدي قرار الذهاب إلى الحرب أن مسؤولية هذه الحرب يتحملها كبار المسؤولين الذين كانوا يسعون منذ زمن طويل لإسقاط نظام "صدام حسين"، فهم الذين أثروا على الرئيس "بوش"، وأقنعوه بأن جميع العراقيين الذين لاقوا الويلات في ظل نظام "صدام حسين" سيرحبون كثيراً بإسقاطه، لكن هذا الاعتقاد أخطأ في قراءة ردة فعل العرب السنة تجاه الغزو، وأساء تقدير مدى رغبتهم في مقاومة الاحتلال الأمريكي.

 أما الاتجاه الثاني الذي ساند أنصاره بشكل عام قرار غزو العراق، فقد أرجعوا المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة هناك إلى عدم الالتزام أو الإخفاق في تسخير الموارد الكافية لتحقيق النصر في العراق، وبعض هؤلاء يبررون موقفهم  بحجج مماثلة لتلك التي ساقها معارضو الحرب، والذين انتقدوا تقليل المسؤولين في الإدارة الأمريكية من احتمال وجود معارضة قوية للغزو والاحتلال، بشكل حدا بهؤلاء المسؤولين إلى الدفع بعدد قليل من القوات عقب سقوط نظام "صدام حسين" مباشرة بهدف إنزال الهزيمة بأي مقاومة تلي ذلك. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن أي معارضة سنيّة لم تثبت نفسها كان من الممكن التغلب عليها بسهولة إذا كانت الإدارة الأمريكية قد تبنت توصيات الجنرال "إيريك شينسكي بأن حفظ السلام بعد سقوط "صدام" بحاجة إلى عدة آلاف من القوات الأمريكية، بدلاً من تجاهلها. ويحتج آخرون ضمن هذا الاتجاه بأن وزير الدفاع "دونالد رامسفيلد" يتحمل جزءاً من المسؤولية عن المصاعب الحالية؛ لأنه أخفق في اتخاذ خطوات لمنع أعمال السلب والنهب التي وقعت بعد سقوط نظام "صدام حسين". وبموازاة هذه الحجج التي طرحت كانت هناك أسباب أخرى تتمثل في عدم إصدار أوامر فورية بتأمين مخازن ومستودعات الأسلحة عقب سقوط هذا النظام؛ حيث تم استخدامها، كمصدر للمتفجرات والذخيرة لأعمال التمرد المتصاعدة. كما تعرضت وزارة الدفاع لانتقادات عدة؛ لأنها عندما كانت مسؤولة عن التخطيط عقب سقوط نظام "صدام" تجاهلت عمداً شهوراً من التخطيط السليم الذي قامت به وزارة الخارجية الأمريكية.

 ولكن في المقابل، عزا آخرون ضمن ذات الاتجاه الإخفاق الأمريكي في العراق إلى قيادة الاحتلال المدنية، ولاسيما السفير "بول بريمر"، الذي تولى قيادة "سلطة الائتلاف المؤقتة" منذ مايو (أيار) 2003 وحتى إعادة السيادة إلى العراق في يونيو (حزيران) 2004، وتشير الانتقادات تحديداً إلى قرارين رئيسيين اتخذهما "بريمر" وتسببا في زيادة حدة الانفلات والفوضى التي يشهدها هذا البلد، وهما: قرار حل حزب البعث الحاكم وطرد جميع أعضائه من المستويين الأوسط والأعلى من مناصبهم الحكومية وقرار حل الجيش والأجهزة الأمنية وتسريح عناصرها، فقد عزز هذان القراران الدعم الذي لقيه "التمرد السني"، وضمنا "للمتمردين" مساندين متعاطفين معهم يتمتعون بالخبرة القتالية والعسكرية، وعززا من شعبيتهم نتيجة عدم السماح لمساندي صدام السابقين من المشاركة الإيجابية.

 ويعتقد الكثيرون بأن هذين القرارين زادا من رفض السنة العرب للعملية السياسية، وأقنعهم بأنه لا مكان لهم في النظام السياسي الجديد في مرحلة ما بعد "صدام حسين".

 وهناك قلة انتقدت قرار "بريمر" الاستجابة لضغوط المرجع الشيعي الأبرز في العراق "آية الله علي السيستاني" والأطراف الرئيسية لحقبة ما بعد صدام لتنظيم انتخابات مبكرة بدلاً من السعي لتشكيل حكومة ذات قاعدة واسعة تضم جميع الطوائف والفرقاء، ورغم أن قرار اختيار الحكومة العراقية عن طريق الانتخابات جاء متوافقاً تماماً مع القيم الأمريكية وهدف الولايات المتحدة الرامي إلى بناء عراق ديمقراطي، إلا أن تشكيل هذه الحكومة من خلال الانتخابات افترض أن جميع العراقيين سوف يتقبلون النتائج الديمقراطية على أنها شرعية وحاسمة، وقد ثبت أن هذا الافتراض خاطئ، ولعل ذلك ما يفسر لماذا يعيش العراق الآن في هذه الفوضى العارمة.

 لقد نظرت كل طائفة من الطوائف العراقية إلى السياسة من خلال منظورها الطائفي الضيق الخاص بها، فالسنة العرب رأوا أن تنظيم انتخابات حرة سيضمن انتقال السلطة في النهاية إلى أيدي العرب الشيعة الذين يفوقونهم عدداً؛ لذا فقد لقيت هذه الانتخابات رفضاً قوياً من جانبهم؛ إذ كان ينظر إليها على أنها وسيلة غير شرعية لتحديد هيكل السلطة لفترة ما بعد سقوط نظام "صدام حسين". أما الشيعة وحلفاؤهم الأكراد فنظروا إلى الانتخابات على أنها الوسيلة المناسبة لإظهار تفوقهم على السنة.

 ولا يبدو أن هناك أي مساندة داخل إدارة بوش لفكرة صياغة آلية جديدة لموازنة علاقات السلطة والنفوذ ما بين الفرقاء العراقيين بصورة أفضل، ورغم أن السفير الأمريكي في بغداد السيد " زلماي خليل زاده" قد سعى بطريقة ما إلى تغيير نتائج الانتخابات عن طريق إنشاء هيئات جديدة مثل مجلس الأمن القومي بحيث يكون فيه تمثيل الأطراف العراقية متوازناً بصورة أكثر فعالية مقارنة بما هو عليه في البرلمان وهيكل السلطة، إلا أنه لم يدع إلى إعادة صياغة شاملة لهيكلة السلطة، في حين يرى كثيرون أن إعادة الصياغة الكاملة لعلاقات السلطة ما بين الأطراف الرئيسية في العراق هي فقط التي ستنجح في تغيير منحى حظوظ سياسة الولايات المتحدة المتداعية في العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات