معضلة الدولار

  • 6 ديسمبر 2006

لم يعد هناك من بين محللي أسواق الصرف من يتجرأ الآن على التكهن بالحد الأدنى الذي يمكن أن يصل إليه الدولار أمام العملات الدولية الرئيسية في المستقبل القريب، في ظل موجة الهبوط الحالية التي يشهدها والتي فقد على إثرها حتى الآن  نحو 13% و15.3% أمام اليورو والجنيه الإسترليني على التوالي خلال العام الحالي، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 20 شهرا مقابل اليورو و14 عاما مقابل الإسترليني. ولعل عدم الاكتراث الواضح الذي أبدته الأسواق لما صدر عن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بين بيرنانكي، خلال الأسبوع الماضي من تطمينات حول آفاق الاقتصاد الأمريكي واتجاه أسعار الفائدة، خير دليل على أن المتعاملين يدركون واقع الاقتصاد الأمريكي وافتراق مساره عن مسار بقية أركان الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإنهم سيدفعون بالدولار إلى المزيد من الهبوط خلال الفترة المقبلة.

ففي جعبة الأسواق، الآن، ما يكفي من الدوافع لبيع العملة الأمريكية والتي تتدرج من تزايد المؤشرات إلى إمكانية تحول تباطؤ الاقتصاد الأمريكي إلى ركود في العام المقبل مع ما يترتب على ذلك من حاجة إلى خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وإلى ضرورة خفض العجز الهائل في الحساب الجاري للولايات المتحدة من خلال آلية الدولار الضعيف، وإلى وجود التقارير التي تتحدث عن توجه البنوك المركزية العالمية نحو خفض حصة العملة الأمريكية في تركيبة احتياطاتها من العملات الأجنبية. وإذا كانت تلك العوامل كافية وحدها لدفع الدولار إلى الهبوط، فإن هناك عوامل أخرى تدعم العملات الدولية الأخرى، خصوصا اليورو، تتمثل في تحسن آفاق الاقتصاد الأوروبي والآسيوي وتعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة الأوروبية واليابانية. فلم يعد فقط من باب المؤكد أن يقدم، غدا، البنك المركزي الأوروبي على رفع سعر الفائدة الرئيسي، بل وأصبح من المحتمل جدا أن يستمر في سياسة التشديد النقدي خلال العام المقبل.

إضافة إلى هذه العوامل جميعها، يقف صانعو السياسة النقدية على طرفي الأطلسي محايدين هذه المرة أمام حركة أسواق الصرف العالمية، في تباين واضح لمواقفهم خلال المرات السابقة التي شهدتها الأسواق مثل ما تشهده الآن من اتجاهات. ففي حين تجد الولايات المتحدة في هبوط الدولار وسيلة محبذة ولا بد منها لخفض العجز التجاري من خلال ما يترتب عليه من دعم لتنافسية الصادرات الأمريكية في الأسواق الخارجية، التزم وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي، في اجتماعهم الأخير في الأسبوع الماضي، ما يشبه الصمت حيال صعود اليورو، وذلك في خلاف واضح لموقفهم في مثل تلك الحالة في عام 2004، ولعل تفاؤلهم بقوة الانتعاش الاقتصادي في أوروبا واعتماده على الطلب المحلي بدلا من الصادرات هو الذي يقف وراء تجاهلهم لما يحدث في أسواق الصرف. وثمة من يأخذ حدة الهبوط التي تعرض لها الدولار علامة على أن تصحيح الاختلال داخل الاقتصاد العالمي، والذي طال انتظاره قد بدأ الآن، وبالتالي فإن ما فقده الدولار حتى الآن ليس سوى جزء محدود مما يمكن أن يفقده خلال الفترة المقبلة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات