مشكلات الإعلام البيئي في العالم العربي

مشكلات الإعلام البيئي في العالم العربي

  • 2 مارس 2005

لم تكن الدول والمجتمعات العربية بمعزل عن التنامي المطرد في الاهتمام العالمي بالبيئة منذ الثلث الأخير من القرن الماضي، الذي شهد انعقاد مؤتمر استكهولم للبيئة عام 1972، وتمخض عنه إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP عام 1973. ومن الوجهة الشكلية فإن الدول العربية تضم فعاليات بيئية حكومية على مستويات عالية، إذ توجد وزارات للبيئة في معظمها، وتحتل قضايا البيئة مكاناً لا بأس به في الخطاب الرسمي منذ فترة طويلة. وتحرص الدول العربية على الانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية البيئية، وتعقد اتفاقيات ثنائية وتقيم مؤتمرات وندوات لمناقشة قضايا البيئة، وتنشئ أقساماً متخصصة لها في كلياتها وجامعاتها، ومكاتب وإدارات في مختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية. وفي هذا الإطار، فإن الإعلام العربي، الحكومي في معظمه، أو المعتمد أساساً على التمويل الحكومي فيما يخرج رسمياً عن ملكية الحكومة، يغطي قضايا البيئة بطريقة أقرب إلى طريقة الحكومات في تعاطيها مع قضايا البيئة ومشكلاتها.

يتفق المعنيون على أن الإعلام العربي، إجمالا، يعاني مشكلات عدة، منها ضعف هياكله ومؤسساته وموارده، والسيطرة الحكومية عليه، وطبيعته الدعائية التي تفقده كثيراً من صدقيته، وغلبة الأيديولوجيا على الاعتبارات المهنية. وفي هذا السياق فإن الإعلام المتخصص عموما، بما في ذلك الإعلام البيئي، يواجه عقبات جوهرية، منها ما يتصل بطبيعة الإعلام العربي ومشكلاته السابق ذكرها، ومنها ما يتصل بطبيعة الإعلام البيئي ذاته.

تحتل البيئة وقضاياها مرتبة متواضعة ضمن اهتمامات وسائل الإعلام العربية على اختلافها. وقد رصد كثير من الدراسات المعنية بالبيئة تراجع المساحات المخصصة لها في الصحف والجرائد والمجلات العربية، ومحطات البث الإذاعي والتلفزيوني. وخلافا لما عليه الحال في كثير من الدول المتقدمة، فإن عدداً قليلاً جداً من المطبوعات والنشرات مخصص لقضايا البيئة، ومعظمها تصدره هيئات ومؤسسات رسمية تتبنى خطاباً يركز على إنجازات ونجاحات غير مؤكدة، لا يثبت كثير منها أمام واقع الحال، وأمام ما تكشف عنه الإحصائيات والتقارير الدولية الموثوق بها. وعدا مطبوعات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، فإن أغلب ما يصدر من مطبوعات وما يبث من برامج لا يتجاوز نطاق الدعاية.

ويأتي غياب الكوادر الإعلامية المؤهلة والقادرة على تناول البيئة ومشكلاتها على رأس قائمة مشكلات الإعلام البيئي. وتخلو أكثر وسائل الإعلام العربية من المحررين أو الخبراء المختصين في قضايا البيئة، وغالبا ما يغطي تلك القضايا محررون وصحفيون يفتقرون إلى المعارف والقدرات العلمية التي تشكل الركيزة الرئيسة للعمل، وفهم الأوجه المختلفة للمشكلات البيئية في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن امتلاك القدرة على صياغة الخطاب الإعلامي الملائم لها. ومن المعروف في مجال الإعلام البيئي عالمياً أن الصحفيين الذين يتخصصون في قضايا البيئة يحتاجون، فضلاً عن التأهيل العلمي الذي يعد أساسياً، إلى دورات تدريبية مكثفة ومتواصلة، وهو ما يفتقر إليه قطاع كبير في الإعلام العربي، فليس هناك من يمتلك المؤهلات العلمية الأساسية في هذا المجال، ولا يتوافر، في معظم الحالات، التدريب أو التطوير المهني اللازم لرفع سوية العمل وزيادة كفاءته.

ومن جهة أخرى، فإن الأساس الذي يمكن أن يستند إليه الإعلام البيئي هو توافر البيانات والمعلومات والدراسات عن الأوضاع والمشكلات والتحديات البيئية في كل دولة عربية على حدة، وفي الدول العربية بشكل عام. ويدرك المعنيون أن مثل هذه المعلومات والبيانات غائبة كلياً أو جزئياً في معظم الدول العربية، ومن الصعب الحصول على بيانات موثوق بها لنسب تلوث الماء أو الهواء أو التربة، أو الآثار الصحية الناجمة عن أشكال التلوث. والجزئية الأخيرة، المرتبطة بالصحة العامة، تمثل منطقة شائكة لمن يقترب منها، إذ تصطدم الأنشطة الإعلامية المتعلقة بهذا الجانب مباشرة بالسلطات الحكومية التي لا تنظر بعين الرضا إلى ما ينطوي عليه ذلك من انتقاد صريح أو مبطن لها. وتمثل الخطوط الحمر الحكومية، على اختلاف أنواعها وطرق فرضها، أحد المعوقات المهمة، خاصة أنه لا يوجد في الإعلام البيئي، غير الجماهيري بطبيعته، ما يغري بالدخول في مواجهات علنية أو مبطنة مع سلطات تمتلك تقليدياً قدرات غير محدودة على فرض ما تريد.

إن غياب المعلومات والبيانات البيئية؛ والقيود الحكومية المعلنة وغير المعلنة، يتضافران معاً ليفرغا الإعلام البيئي العربي من مضمونه، ويحولانه إلى نشاط احتفالي مهمش لا ينال كبير عناية من القائمين عليه أو من المتلقين الذين لا يجدون فيه ما يرتبط بواقعهم، أو يدفعهم إلى التواصل معه، لتتعزز بذلك مبررات تجاهله وإهماله لدى وسائل الإعلام العربية، وكأن العنصرين يغذي أحدهما الآخر.

يتفق المختصون على أن الإعلام العربي قد حقق تطوراً مهماً خلال العقد الأخير، مستفيداً من ثورة الاتصالات والمعلومات والتقدم التقني. ولكن هذا التطور، كما تظهر كثير من الدراسات، خضع لما يشبه الاختطاف من قبل نماذج بعينها كرستها تجارب أغلب الفضائيات العربية بشكل خاص، معتمدة على ثنائية الترفيه والإثارة، بما في ذلك معظم القنوات الإخبارية التي لا تخرج كثيراً عن تلك الثنائية، مع الاعتراف بما تمتلكه من هامش حرية فرضته تطورات عالمية سياسية وتقنية. ولم تكن مسارات هذا التطور، في محصلتها، في صالح الإعلام البيئي وغيره من مجالات الإعلام المتخصص، التي يصعب أن تكون موضوعاً للإثارة أو الترفيه. ويبدو أن سطوة هذا النموذج ستظل فاعلة لفترة طويلة، وتؤثر في الفرص المستقبلية لتطوير إعلام بيئي مؤثر.

إن إفراد القنوات التلفزيونية بالذكر يعود إلى حقيقة دورها المهم في العالم اليوم، ففضلاً عن الموقع المتميز للتلفزيون الذي تراه بعض الدراسات المتخصصة "وسيطا للعولمة"، فإن العالم العربي الذي يعاني أغلب سكانه أمية متفشية، ويتدنى توزيع الصحف والمجلات فيه إلى أقصى حد، ولا يستخدم الإنترنت من مواطنيه إلا نسبة بالغة الضـآلة، يحتاج بشدة إلى اهتمام القنوات التلفزيونية، أرضية وفضائية، بالبيئة، ليتاح لـه التواصل مع قضاياها ومشكلاتها. وعلى الرغم من وجود نشاط مطرد في تأسيس مواقع عربية معنية بالبيئة على شبكة الإنترنت، ومحاولات زيادة المساحات المخصصة لها في بعض الصحف والمجلات، فإن تأثير مثل هذه المحاولات يبقى محدوداً ومتواضعاً ما لم تكن القنوات التلفزيونية حاضرة بقوة في هذا المجال. وقد شهدت حركة تأسيس القنوات العربية المتخصصة نشاطاً ملحوظاً، وهناك قنوات إخبارية ورياضية وتعليمية ودرامية واقتصادية وسياحية، ولكن لم تنشأ قناة عربية بيئية متخصصة حتى الآن، وإن تم الإعلان منذ وقت طويل عن وجود "مشروعات" قيد البحث والدراسة.

وفي ظل دعوات خصخصة الإعلام، من أجل إنهاء السيطرة الحكومية عليه أو تقليلها، يبدو أن قضايا البيئة مهددة بمزيد من التجاهل والتهميش، مع السيطرة المرتقبة لمنطق الربح والحاجة إلى إيجاد مصادر للتمويل، إذ يستلزم تحقيق المردود الاقتصادي العزف على "الأوتار الجماهيرية"، وتلبية متطلبات الأذواق التي صاغتها تجارب سابقة، بصورة تجعل محاولات تغييرها محفوفة بأخطار جدية، لا سيما في ظل حسابات الربح والخسارة التي تسيطر على الإعلام الخاص.

يتحدث المختصون عن دائرة مفرغة فيما يختص بالإعلام البيئي، إذ يلزم لنجاحه توافر "وعي بيئي" وفهم لمشكلات البيئة وقضاياها. وهذا الوعي محصلة لأنشطة اجتماعية متداخلة يلعب فيها الإعلام نفسه دوراً رئيسيا. وهكذا فإن المعادلة الصعبة تقوم على حاجة الإعلام البيئي إلى وعي بيئي يسهم في صنعه الإعلام نفسه. وتشير دراسات أجريت في دول متقدمة، مثل كندا والسويد والولايات المتحدة، إلى أن فاعلية البرامج الإخبارية كوسيلة لنقل المعرفة البيئية تعتمد على معرفة المتلقي المسبقة بالمهارات البيئية. فقد عجز الجمهور في هذه الدول، على الرغم من التغطية المكثفة لمشكلات بعينها خاصة بالتلوث، عن التواصل مع المواد المنشورة والمذاعة وفهمها بشكل صحيح، بسبب عدم تبسيط المعلومات العلمية، أو تقديم مصطلحات وتعبيرات متخصصة من دون تقديم الشرح الكافي. ولعل هذه الحقيقة توضح، بصورة كبيرة، حجم المشكلة في العالم العربي، المفتقر إلى قاعدة تعليمية وعلمية وثقافية لتكوين الوعي البيئي، مقارنة بالجمهور الغربي.

ومع الإقرار بكل ما سبق فإن الإعلام البيئي العربي ليس "مشكلة من دون حل"، إذ تبدو آفاق للخروج من الدائرة المغلقة في التنامي المطرد للنشاط البيئي في بعض المجتمعات العربية رغم ضعف هذا النشاط، وهو ما يمكن أن يعبّر عن نفسه تدريجياً في صورة نشاط إعلامي يلبي تزايد الاهتمام بالبيئة. كذلك فإن الدول العربية التي تشهد مشكلات مهمة، يعد النموذج الإعلامي "التحريضي" السائد أحد أسبابها، قد تسعى إلى القيام بمبادرات حقيقية لتغيير أنماط تعاطيها مع الإعلام ككل، وتعمل على تشكيل نموذج جديد تحتل فيه قضايا مثل "البيئة" موقعاً مناسباً. ويضاف إلى ذلك أن الاهتمام العالمي بقضايا البيئة يتزايد يوماً بعد يوم، ويعبر عن نفسه في صورة فعاليات وأنشطة عابرة للقارات، ولا بد لذلك أن يجد صداه تدريجياً في العالم العربي. وأخيراً فإن "الإصلاح السياسي" المرتقب في العالم العربي، سيستدعي بالضرورة تكوين مجتمع مدني نشط، وبروز اهتمامات جديدة من بينها بالطبع القضايا البيئية، وربما يتجلى ذلك إعلاميا في صورة اهتمام أوسع وأعمق بالبيئة وقضاياها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات