محور الاعتدال بين إسرائيل وإيران

عبدالوهاب بدرخان: محور الاعتدال بين إسرائيل وإيران

  • 12 أكتوبر 2006

تصبح السياسات عقيمة عندما تقع في أسر التصنيفات والتوصيفات والمصطلحات التي تستنبطها لمعالجة قضايا بعينها أو مكافحة ظواهر محددة، تماماً كما تصبح الحلول الأمنية عقيمة وبلا جدوى عندما تعاند الوقائع والحقائق ولا تعترف بها.

مثل هذه الحال، سياسياً وأمنياً، سائد في الشرق الأوسط "الكبير" منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، لكنه أصبح أكثر ترسخاً بعد غزو العراق واحتلاله تمهيداً لجعله أرض استقبال للإرهابيين الآتين من مختلف الآفاق، فيما شكلت الحرب الأخيرة في لبنان، بما رافقها من وحشية إسرائيلية، وإخفاق المجتمع الدولي في مجرد البحث في وقف لإطلاق النار، ما يشبه "الصدمة الذاتية" على مستوى كل دولة كبرى على حدة، وأيضاً على مستوى جماعي.

 وهذه الصدمة لم تنحصر طبعاً في بُعدها اللبناني الذي جعل العالم يتفرج طوال ثلاثة وثلاثين يوماً على مسلسل تدمير وتقتيل، وإنما لفتت إلى التواصل والترابط بين بؤر العنف والاضطراب من العراق إلى فلسطين ومن سوريا إلى أفغانستان مروراً بلبنان. ولكي تكتمل صورة الكارثة بدأت تتجمع في الأفق نذر أزمة قد تتحول إلى حرب جديدة محورها كسر النفوذ الإيراني الذي بات حاضراً في كل تلك المواقع. وفي خلفية هذه الصورة ينشط تنظيم "القاعدة" أو ما يتفرغ عنه متأهباً لاستغلال ما يُستجد من انهيارات وإخفاقات، حتى لم يعد ممكناً التمييز بين "القاعدة، والخصوم المفترضين لها من دول كبرى أو دول إقليمية.

 وفي الآونة الأخيرة بدا كأن الولايات المتحدة قد أجرت مراجعة لسياستها في المنطقة؛ حيث قامت بإيفاد وزيرة الخارجية "كوندوليزا رايس" إلى المنطقة وهي محملة بأفكار جديدة للتعامل مع الأوضاع المتفجرة بل والمتعفنة فيها. لكن الوزيرة تعجلت الحديث عن "محور الاعتدال" مما أثار حفيظة الأعضاء المرشحين لهذا المحور، والذين راحوا يتبرؤون منه بإصرار وشدة. أما "الجديد" في الأفكار الأمريكية فقد كان قديماً ومكشوفاً ومفاده أن "العدو" الآن هو إيران، وليس إسرائيل، وبالتالي فإن الجميع مدعوون إلى مواجهة هذه العدو، ليس فقط لأنه يتوسع نفوذاً وإنما أيضاً لأنه في صدد امتلاك السلاح النووي. وإذا كان هذا الاصطفاف المنشود ممكناً ومتاحاً، بسبب المخاوف المشروعة من خطر أسلحة الدمار الشامل، إلا أنه لا يعني سوى تزكية للأجندة الأمريكية-الإسرائيلية، أو بالأحرى الإسرائيلية، بدليل أن الأفكار التي طرحت لمعالجة الشؤون الفلسطينية أو العراقية أو اللبنانية لم تخرج عن إطار الأطروحات المستهلكة.

 ويبدو أن الحرب الأهلية الدائرة في العراق لم تعد لتردع المعنيين عن التعايش مع سيناريو اقتتال مماثل بين الفلسطينيين، أما في لبنان فإن التجربة المريرة مرشحة للتكرار ولو بأشكال وأساليب مختلفة.. وهكذا فإن عقم السياسات وإخفاق الجهود الأمنية، بما فيها الحروب على شاكلة الحملة الإسرائيلية على لبنان، أصبحت تبرمج سيناريوهات الفوضى لئلا تضطر للانخراط في حلول جدية ومجدية؛ فالعراق، كأفغانستان، متروك لمصيره. وكذلك لبنان. أما الفلسطينيون فقد دُفعوا دفعاً، بفعل الظلم الدولي الغاشم والإرهاب الإسرائيلي اليومي، للاحتكام إلى السلاح، ومن دون أي بارقة سلام ذات صدقية؛ إذ إن مجرد الحديث عن "خريطة الطريق" بات مؤشراً واضحاً على أن القوى الدولية والإقليمية لم تتوصل بعد إلى إرادة للبدء بعملية سلام حقيقية.

 ما ينقص "محور الاعتدال" هو سوريا، أما الزائر غير المبرر وغير المستساغ في هذا المحور فهو إسرائيل؛ إذ يصعب اعتبار هذه الدولة معتدلة أو راغبة في أي سلام. بل على العكس، هي التي ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في اقتياد الأوضاع إلى حروب أهلية مفتوحة. أما سوريا فلم تتم الاستفادة من تموقعها عندما كانت لفترة في "محور الاعتدال"، وعندما فاوضت للحصول على سلام مع إسرائيل. وها هي تعتبر اليوم في "المحور الإيراني"، أي خارج المحور العربي، الذي اعتادت استراتيجياً أن تكون فيه. ولكن هل هي التي خرجت منه مختارة أم أنها أخرجت مضطرة؟ المهم أنها مرشحة للضغوط، ومطالبة بأن توضح موقفها وموقعها، لكن من دون أن تحصل على أي مقابل. تماماً كما هو حال الفلسطينيين، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة.

 المشكلة في كل هذه الملفات ليست في الاعتدال والتطرف، أو في تداخل القضايا وتواصلها، وإنما تكمن في أن إسرائيل هي التي تضع المعايير وأن الولايات المتحدة تتبناها. ومن هذه المعايير على سبيل المثال: أولاً: حتمية التفوق العسكري الإسرائيلي (بما في ذلك حيازة السلاح النووي) وضمان استمراره من دون التوصل إلى سلام عادل. ثانياً: تجاوز هذا التفوق إلى إضعاف القدرات العسكرية للدول المحيطة بإسرائيل، وبالتالي فتح ثغرات ينفذ منها إرهاب الجماعات الهامشية المتطرفة، ومن ثم استخدام هذا الإرهاب لتبرير التهرب من السلام وواجباته. ثالثاً: جعل "قبول" إسرائيل، مع كل جرائمها ومخالفاتها للقانون الدولي، مقياساً للعلاقات السوية بين الولايات المتحدة والعرب. ورابعاً: ضرورة حصول تغيير جذري في العقول والقلوب العربية لكي يمكن التقدم نحو سلام شامل ودائم، لكن من دون أي إلزام لإسرائيل بالتغيير ذاته. وبديهي أن ذلك يتطلب إما تغيير الأنظمة المجاورة أو زعزعتها تمهيداً لـ "تغيير سلوكها". ومثل هذا التغيير بات يتمدد ليشمل أنظمة ودولاً ليست في المدى الحيوي المباشر الذي تدعي إسرائيل خشيته على أمنها، كإيران على سبيل المثال.

 سواء سميت الدول المعتدلة "محوراً" أم لا، فإن تكتلها منطقي وطبيعي، إلا أن توظيف هذا الاعتدال هو الأهم، وهو جوهر المسألة. فهذه ليست المرة الأولى التي يستدعى فيها هذا المحور لدعم اتجاه سياسي ما، لكن يخشى أن يخرج هذه المحور بخيبة أمل كما في مرات سابقة. وأبسط ما يبرر وجود هذا المحور أو ذاك أن تكون المصلحة واضحة، وإلا فإنه سيستخدم لأهداف أمريكية بحتة أو إسرائيلية بحتة. وقد تكون هنا مصلحة حقيقية في ردع أي خطر أو تهديد إيرانيين، لكن يخطئ من يعتقد أن هناك مصلحة في التعايش مع التهديد الإسرائيلي الذي زرع في قلب المنطقة العربية وقام بوظيفته في تعويق هذه المنطقة وشعوبها، والحؤول دون الوصول إلى سلام حقيقي كان قبل سنوات في متناول اليد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات