مثلث الأزمات العربي.. هل خرجت الأوضاع عن السيطرة؟

فتوح هيكل: مثلث الأزمات العربي.. هل خرجت الأوضاع عن السيطرة؟

  • 21 يونيو 2007

تعيش المنطقة العربية في الوقت الراهن حالة غير مسبوقة من التردي والانهيار الواضحين على المستويين الأمني والسياسي مع انفجار العديد من الأزمات، التي تهدد بتداعيات خطيرة على واقع هذه المنطقة ومستقبلها. فمن العراق إلى الأراضي الفلسطينية مروراً بلبنان، تبدو الأمور وكأنها خرجت عن نطاق السيطرة، لاسيما مع تفجر الصراعات الداخلية المسلحة بين فرقاء الوطن الواحد، واتجاه كل فصيل لحمل السلاح في وجه الآخر لتسوية الخلافات السياسية، وتراجع لغة الحوار والتهدئة، لصالح لغة التهديد والحسم العسكري، لتزداد الصورة قتامة وتشاؤماً، ويزداد المستقبل غموضاً، وتزداد المخاوف من سقوط المنطقة برمتها في مستنقع الانفلات الأمني والفوضى الشاملة!.

 هذه النظرة التشاؤمية لا تأتي من فراغ، فما شهدته المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية أصاب كثيراً من المراقبين بالإحباط، وجعل أكثر المتفائلين يعيدون النظر في مواقفهم وحساباتهم، ففي يوم واحد (13 يونيو/حزيران 2007) شهد "مثلث الأزمات العربي" (العراق، فلسطين، لبنان) انفجاراً متزامناً وخطيراً، كشف بوضوح مدى خطورة وهشاشة الوضع القائم في المنطقة؛ حيث بدأ هذا اليوم الدامي بتفجير منارتي مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، لتشتعل من جديد جذوة الحرب الطائفية والمذهبية في العراق، والتي لم تهدأ أصلاً منذ تفجير قبة المرقد الذهبية في فبراير/شباط 2006، وأثار هذا الحادث المخاوف من احتمال العودة مجدداً إلى التصفيات المذهبية و"حرب المساجد"، ما يضع البلاد على طريق الحرب الأهلية المفتوحة، ورغم مسارعة حكومة رئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي" إلى فرض حظر التجول في بغداد وسامراء لتجنب هذا السيناريو، وتعدد مناشدات ودعوات رجال الدين والسياسيين بضبط النفس ومحاصرة الفتنة، فإن المؤشرات ترجح أن تتجه الأمور نحو مزيد من الفوضى والانفلات والعنف المذهبي، وليس أدل على ذلك من مسارعة بعض المسلحين الشيعة إلى تدمير وإحراق أربعة مساجد سنية عقب حادث تفجير المنارتين مباشرة.

 وإذا كان هذا التفجير الذي استهدف تأجيج الحرب المذهبية في العراق لا يغير كثيراً من الوضع المتردي أصلاً في هذا البلد، كما يرى بعض المراقبين، باعتبار أن الأوضاع فيه قد خرجت بالفعل عن نطاق السيطرة منذ احتلاله عام 2003، وأنه يعيش بالفعل حالة الحرب الطائفية، ويسوده الفوضى والانفلات وأعمال القتل والترويع والإرهاب بشكل أوشكت معه الدولة على التلاشي والانقسام، فإن ما حدث في الأراضي الفلسطينية كان هو الجديد-الأسوأ؛ حيث شهد قطاع غزة حرباً أهلية حقيقية، مفتوحة وشاملة، بين حركتي "فتح" و"حماس"، تجاوزت كل الخطوط الحمراء، واستباحت الدم الفلسطيني بصورة لم تحدث من قبل؛ إذ تحولت شوارع القطاع وميادينه ومؤسساته إلى ميادين للقتال، ولم تسلم من ذلك المستشفيات، التي استخدمها المسلحون ساحة للقتال هي الأخرى، وأسفرت هذه المواجهات عن مقتل عشرات الفلسطينيين، واضطر كثير من السكان المدنيين وعناصر حركة فتح إلى الهروب من ساحات القتال إلى مصر أو إلى مناطق أكثر أمناً بعيداً عن القطاع الذي شهد منذ تولي حماس الحكومة هجرة نحو 14 ألف فلسطيني هرباً من الحصار الإسرائيلي والدولي والاقتتال الأهلي!.

 الخطير في الأمر، أن هذه المواجهات المسلحة تمت بأوامر رسمية، وكان وراءها رغبة واضحة منذ البداية من جانب حركة حماس لحسم الأمر عسكرياً، وهو ما أشار إليه صراحة القيادي البارز في الحركة والمتحدث باسم كتلتها البرلمانية "صلاح البردويل"، في تصريح صحفي له نشر في 14 يونيو/حزيران، قائلاً: "قرار الحسم مع اللحديين لم يعد محل تردد في حركة حماس!"، وهو ما يعني أن حماس قررت وضع حد للخلافات بينها وبين حركة "فتح"، التي تتهمها حماس بالعمالة وتشبهها بـ "أنطوان لحد" قائد جيش لبنان الجنوبي المتعاون مع إسرائيل، من خلال تصفية وجود "فتح" العسكري بما في ذلك الأجهزة الأمنية الموالية للرئيس "أبو مازن"، حتى تستطيع أن تفرض شروطها وسيطرتها على القطاع. وقد تمكنت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس والقوة التنفيذية المتحالفة معها بالفعل من فرض سيطرتها بالقوة المسلحة على مجمل أراضي القطاع ومؤسساته الأمنية والسياسية. وهو ما اعتبرته قيادات حركة فتح "انقلاباً عسكرياً" على الشرعية الفلسطينية الأمر الذي دفع الرئيس "أبومازن" إلى إقالة حكومة "إسماعيل هنية" وتكليف "سلام فياض" بتشكيل حكومة طوارئ، وهو القرار الذي رفضته حماس واعتبرته غير شرعي، ليجد الفلسطينيون أنفسهم أمام حكومتين منقسمتين لا تعترف كل منهما بالأخرى وتعتبرها غير شرعية؛ حكومة "حماسية" تفرض سيطرتها في غزة، وحكومة "فتحاوية" في الضفة الغربية!.

 هذا التصعيد العسكري غير المسبوق في غزة وفرض حماس سيطرتها بالقوة على القطاع يعكسان أكثر من دلالة خطيرة، ويؤشران لمستقبل أكثر تشاؤماً وغموضاً، فانفجار المواجهات بهذا الشكل يشير إلى أن مسببات التوتر والاضطراب أكبر بكثير من عوامل التوافق والوحدة وكل محاولات الوساطة والتوفيق التي تقوم بها أطراف محلية وإقليمية مختلفة، ولعل هذا ما يفسر لماذا كانت تنهار تفاهمات وقف إطلاق النار قبل أن تبدأ، كما أن اللجوء إلى السلاح وقيام فصيل بفرض سيطرته بالقوة المسلحة على الأرض عمق بشدة من حدة الانقسام والاحتقان الداخلي بدرجة لن يكون من السهل معها العودة مجدداً للحوار والتفاوض؛ فحركة فتح وقيادتها لن تنسى بسهولة هزيمتها المريرة والسريعة أمام حماس في قطاع غزة، وستحاول استعادة نفوذها وهيبتها الضائعة، ما يبقي الوضع في توتر دائم ومستمر، وليس أدل على ذلك من العمليات الانتقامية التي نفذتها وتنفذها كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لحركة فتح) ضد نشطاء وعناصر حماس في الضفة الغربية، خشية أن تعيد هذه العناصر السيطرة على الضفة كما فعلت في القطاع. كما يتوقع أن تزيد حدة هذا الانقسام مع تدخل الأطراف الخارجية، فالولايات المتحدة واللجنة الرباعية الدولية سارعتا إلى الإعلان عن دعمها لحكومة الطوارئ التي شكلها الرئيس "أبو مازن" وتعهدتا برفع الحصار المفروض على هذه الحكومة، كما سارعت كثير من الدول العربية إلى إعلان رفضها "الوضع غير الشرعي" الذي فرضته حماس في القطاع، وأكدت دعمها لحكومة الطوارئ الجديدة، وهو ما قد يعني أننا سنكون إزاء دولتين فلسطينيتين مختلفتين حتى في أسلوب المعيشة ومستوى الرفاهية، الأولى في الضفة الغربية تحكمها حكومة معترف بها دولياً وإقليمياً وتتلقى المساعدات الخارجية، والثانية في غزة تعاني من الحصار والتجويع، وقد تزيد الإجراءات العقابية المفروضة عليها ومن ثم معاناة سكانها.

 ما حدث في غزة يمثل سابقة عربية خطيرة تستدعي الوقوف عندها كثيراً؛ لأن تكرارها يهدد وجود هذه الأمة وبقاءها، فإذا سعى كل فصيل أو تيار يختلف سياسياً مع غيره داخل الوطن الواحد إلى حسم هذه الخلافات السياسية بالاحتكام للسلاح والقوة المسلحة، فإن ذلك سيفتح الباب على مصراعيه لانتشار الفوضى وأعمال العنف في كل المنطقة؛ التي تشهد كثير من دولها خلافات سياسية حادة. وبالتالي فإن المبررات التي ساقتها حركة حماس وقياداتها في الداخل والخارج لتبرير إقدامها على هذه السابقة، لا يمكن أن تكون مقنعة لأحد، ولا يمكن أن تقبلها دول المنطقة التي تدرك مدى خطورتها، بل على العكس جعلت حتى الأطراف المؤيدة للحركة تشكك في نواياها وتنأى بنفسها عن تصرفاتها المقسمة للشعب الفلسطيني والمهددة لنضال شعبه ومستقبل قضيته. ولا يعني ذلك أن حركة فتح لا تتحمل مسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع، فقد ساهمت الحركة من خلال العراقيل التي وضعتها منذ البداية أمام حكومة حماس في الوصول بالأمور إلى حد الاقتتال الأهلي، لكن ما قامت به حماس من "انقلاب عسكري" يفوق كل الحدود ويتجاوز كل الخطوط الحمراء، التي فقدت أي معنى لها.

 ما حدث في غزة يمكن أن يتكرر في لبنان، الضلع الثالث في مثلث الأزمات العربي، ففي ظل استمرار الأزمة السياسية التي يعيشها هذا البلد، بل وتفاقمها بعد إقرار المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في جريمة اغتيال "رفيق الحريري"، واستمرار مسلسل الاغتيالات السياسية في هذا البلد، والذي كان آخر حلقاته اغتيال النائب اللبناني "وليد عيدو" يوم 13 يونيو/حزيران أيضاً، لا يمكن لأحد أن يستبعد قيام أحد الأطراف اللبنانيين بتكرار ما فعلته حماس ويفرض سيطرته على لبنان بالقوة المسلحة، ولعل الطرف الوحيد في لبنان المؤهل لذلك هو "حزب الله"، الذي يملك ترسانة عسكرية وعناصر مدربة تفوق كثيراً إمكانيات الجيش اللبناني، بل إن هناك من يزعم أن "حزب الله" بدأ يعد فعلياً لمثل هذا الانقلاب بعد أن أخذت المساعدات العسكرية الخارجة تتدفق على الجيش اللبناني خلال مواجهته الأخيرة والمستمرة مع تنظيم "فتح الإسلام الإرهابي"، وهو ما قد يرى فيه الحزب تهديداً لهيمنته العسكرية في لبنان. كما تشير بعض التوقعات إلى احتمال إقدام رئيس الجمهورية "إميل لحود" على تنفيذ تهديده بإقالة حكومة "فؤاد السنيورة" وتشكيل حكومة ثانية وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، بما يفسح المجال أمام انقسام لبنان إلى حكومتين تمثلان قوى الأغلبية والمعارضة وربما برلمانيين ورئيسين، في الوقت الذي يتجه فيه العراق وبسرعة نحو التقسيم إلى ثلاث دويلات بثلاث حكومات طائفية متصارعة.

 ورغم مسارعة الدول العربية إلى محاولة وقف الانزلاق العربي إلى حالة الفوضى الشاملة والتقسيم؛ حيث جاءت قرارات الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة يوم 15 يونيو/حزيران حاسمة وواضحة؛ إذ أدان الوزراء العرب ما وصفوه بـ "الأعمال الإجرامية التي ارتكبت في غزة"، وشددوا على ضرورة عودة الأوضاع في القطاع إلى ما كانت عليه قبل الأحداث الأخيرة، وعلى وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة والقدس، وأكدوا بوضوح ضرورة احترام الشرعية الفلسطينية ممثلة بالرئيس "أبو مازن" وشكلوا لجنة لتقصي الحقائق في غزة. كما أدانوا جريمة الاغتيال التي تعرض لها النائب اللبناني "وليد عيدو" وطالبوا جميع اللبنانيين بالوقوف صفاً واحداً أمام المخطط الإرهابي الذي يستهدف بلادهم، وقاموا بتشكيل وفد رفيع المستوى لإجراء الاتصالات اللازمة لتوفير الأجواء الملائمة أمام استئناف الحوار الوطني اللبناني. رغم أهمية كل ذلك، فإن لا يكفي لمواجهة التطورات الخطيرة التي يشهدها مثلث الأزمات العربي، والذي بات واضحاً أن الأمور فيه قد خرجت عن نطاق السيطرة والتحكم. وما لم تتمكن الدول العربية من إيجاد حلول غير تقليدية للتعامل مع هذه الظروف الاستثنائية، فإن الأوضاع ستنزلق وبسرعة نحو "الفوضى الهدامة" التي ستطال الجميع، وإذا لم يتم التعامل بكفاءة مع مثلث الأزمات الحالي، فإن الحرائق السياسية والأمنية قد تنتشر لتفجر المنطقة بالكامل، ولن يكون هناك منتصر ومهزوم، فالكل حتماً مهزومون!.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات