ماذا بعد الانسحاب من غزة؟

د. باسكال بونيفاس : ماذا بعد الانسحاب من غزة؟

  • 29 يونيو 2005

يفترض أن تنسحب إسرائيل من قطاع غزة بحلول 15 أغسطس/آب 2005. وهذا التاريخ يثير آمالاً ومخاوف في آن واحد، فليس بوسع المرء سوى التمني بأن يتم الانسحاب في التاريخ المقرر، رغم كل الصعوبات القائمة. غير أن الأهم من التاريخ نفسه هي الظروف المحيطة به. فهل تكون للفلسطينيين السيطرة على حدودهم البحرية والبرية؟ يبدو أن إسرائيل على استعداد لأن تتركهم، مقابل ضمانات أمنية، على اتصال بالمصريين. ذلك أن الأمر ضروري من وجهة نظر اقتصادية وسياسية. فعلاوة على الممر المفتوح بين غزة ومصر، يُفترض أيضا أن تـُضمن حرية التنقل بين القطاع والضفة الغربية. بكل بساطة، يجب أن يتمكن الفلسطينيون من التنقل بحرية، وهو ما لم يكن متاحاً لهم منذ نحو أربع سنوات. إذ على محمود عباس أن يُقنع الفلسطينيين بأن انتهاء الانتفاضة المسلحة يُفضي إلى تحسن في أوضاعهم، مع فتح آفاق حقيقية (دولة قابلة للحياة) بعد أمد. 

لقد أصبحت حياة الفلسطينيين اليومية أقل قسوة، حيث تم تخفيض عدد نقاط المراقبة، وخُففت عمليات التفتيش، ولو أنها ما تزال تحدث عشوائياً أحياناً، ولا يزال من المستحيل اليوم معرفة توقيت وإمكانيات التنقل اليومي في الضفة الغربية والمدة الزمنية التي يستغرقها. فالاحتلال هنا، وكما هو الشأن في كل مكان، يفضي إلى حالات تعسفية، وإهانات، ويثير نزعات انتقامية.

إن المُجتـَمعين الفلسطيني والإسرائيلي، في آن واحد، مُنهكان ومنقسمان من الداخل انقساماً شديداً. إنهما يتوقان إلى السلام، لكن كل واحد منهما يخشى أن يكون محل تنازلات أليمة. إن أنصار السلام غالبون في الفريقين، ولكن لكي يظلوا كذلك لا بد أن يثبتوا بأنه مُجدٍ على المديين القصير والبعيد.

فعند انسداد الآفاق السياسية والاقتصادية، لا يمكن لحركة "حماس" إلا أن تتطور في صفوف الفلسطينيين. وستكون النتيجة أن يعزز ذلك، في إسرائيل، الجناح المعارض للحوار مع الفلسطينيين. في الواقع، يوجد فريقان في فلسطين: فريق يناصر السلام وهو علماني، وآخر يناهضه وهو أصولي. لقد أُجلت الانتخابات التي كان يُزمع تنظيمها بتاريخ 17 يوليو/تموز مخافة أن تفوز بها حركة "حماس"، مما يدفع إسرائيل إلى العدول عن انسحابها من قطاع غزة. لكنه لا يمكن تأجيل الانتخابات إلى ما لا نهاية مخافة أن تفوز حركة "حماس" بها، لأن ذلك سيكون منافياً للعملية الديمقراطية وعديم الجدوى سياسياً.

أما في إسرائيل، فالخطر يكمن في حركة المستوطنين. إنهم يعلمون أن لا حيلة لهم في قضية الانسحاب من قطاع غزة. ولذا، يتمثل مشروعهم في بث الرعب في المجتمع حتى لا تتكرر العملية ولا يتم التخلي عن الضفة الغربية. لقد أصبح للمستوطنين نفوذ كبير في أوساط الجيش، فبينما لم يكن المتدينون قبل حرب عام 1967 يهتمون سوى بالمناصب الإدارية في الجيش، أصبحوا اليوم يشكلون من 25% إلى 30% من قوات النخبة العسكرية، بعدما انخرطوا في الجيش بعد هذه الحرب "لحماية الأراضي". وبما أن اغتيال رابين أحدث حالة من الجمود، فقد أصبح الكثير من الإسرائيليين يخافون أن يُقدِمَ المستوطنون مرة أخرى على سفك الدم اليهودي لوقف العملية الجارية. لكن الواقع أن هذه الاستراتيجية تعمل على عزلهم سياسياً في إسرائيل. فإذا قامت حركة "حماس" في السياق الراهن بتنفيذ عمليات في إسرائيل، فإنها ستعمل على تعزيز الدعم المقدم للمستوطنين.

ففي مواجهة الولايات المتحدة التي ترافق حركة أنصار السلام دون التجرؤ على دعمها فعلاً، وأوروبا التي تنتهج سياسة الحذر، وأطراف دولية فاعلة أخرى إما غائبة أو عاجزة، لم يعد الأمل الأساسي قائما سوى في معسكر السلام الإسرائيلي. لكن المجتمع الدولي لا يعمل، للأسف، على دعم هذه الحركة.

لقد حدث طلاقٌ بين العلمانيين ذوي النزعة الوطنية المتطرفة مثل شارون، والمتدينين في إسرائيل. ففي حين يدرك الأوائل ضرورة تقديم تنازلات ولو لاعتبارات ديموجرافية، يعتقد الأخيرون بإمكانية السيطرة على الفلسطينيين ولو كانوا في وضع نقص عددي. إن الانسحاب من غزة يعني أيضا التخلص من 1.4 مليون فلسطيني. فهل هي الخطوة الأولى باتجاه حل عادل ودائم، أم أنها وسيلة من أجل الاحتفاظ بالسيطرة على قسم من الضفة الغربية والقدس الشرقية؟

قطاع غزة ليس إلا جزءاً من المشكلة، فرغم أنه يجب إخلاء ما بين 2000 إلى 3000 مسكن فيه، فإن الإسرائيليين يقومون ببناء ضعف ذلك العدد من البيوت في الضفة الغربية. في خضم ذلك، يتواصل بناء الجدار، ومخططه يلتهم أجزاء شاسعة على الخط الأخضر، في وقت يتواصل فيه طرد الفلسطينيين من القدس الشرقية.

إن بناء الجدار والفصل بين الشعبين أمران مؤسفان. لكن إذا تم النظر إليهما باعتبارهما شرطين لتحقيق السلام، فهما أفضل من استمرار مواجهة غير عادلة. إن مشكلة الجدار تكمن في تنفيذه أكثر مما هي في فكرته. إنه يشكل بفعل الواقع حداً فاصلاً ومن ثم أفق دولة بالنسبة إلى الفلسطينيين. لكن إذا توقفت الأمور عند هذا الحد، سيكون هناك في نهاية المطاف اتفاق سلام أقل إنصافاً للفلسطينيين من اقتراحات باراك "السخية" في كامب ديفيد. ستكون هناك غزة وتسعة أعشار الضفة الغربية لكن من دون القدس. فهل سيقبل بها الفلسطينيون ولو بدافع الملل؟ يمكن للإسرائيليين أن يراهنوا على أن الفلسطينيين غير مستعدين لأن يتكبدوا مجدداً ما تكبدوه خلال السنوات الأربع الأخيرة. لكن حتى ولو كان هذا الملل حقيقياً، فإنه لم يكن أبداً ضمان تعقل في هذه المنطقة.

إن من شأن هذا الوضع أن يؤدي حتماً إلى عودة "الإرهاب الفلسطيني"، الذي سيجر معه انتفاضة ثالثة جامحة تفلت عن السيطرة.

من جهة أخرى، القدس ليس مشكلة فلسطينية، بل إسلامية. سيبدو ضم القدس من قبل إسرائيل أمراً نهائياً إذا تم بالتوازي مع إنشاء دولة فلسطينية مصغرة. سيكون من شأن ذلك أن يحدث تحولاً مأساوياً في النزاع. فبعدما كان هذا النزاع إسرائيلياً-عربياً، أصبح اليوم إسرائيلياً-فلسطينياً. غير أن انحساره الجغرافي رافقه تكثيف استراتيجي، فإذا لم يتم تقسيم القدس، سيتحول النزاع إلى نزاع إسرائيلي-إسلامي وستكون عواقبه وخيمة على العالم بأسره.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات