لبنان.. استمرار الفساد وانهيار الليرة وتداعيات كورونا تهدد بثورة جياع

  • 4 مايو 2020

لم تمنع المخاوف من فيروس كورونا المستجد ودعوات تجنب الاختلاط والمحافظة على قواعد التباعد الجسدي، اللبنانيين من الخروج إلى الشارع ومواصلة احتجاجاتهم التي تجددت غداة حلول شهر رمضان المبارك بعد أن كانت قد تراجعت لعدّة أسابيع عقب إعلان تشكيل الحكومة ونيلها ثقة البرلمان في فبراير الماضي، وهدأت بعد الإعلان عن انتشار الوباء المستجد عالمياً وظهور العديد من الإصابات به في لبنان.

التردي المستمر في الأوضاع المعيشية والاجتماعية هو السبب الرئيسي الذي دفع اللبنانيين للجوء مجدداً إلى الشارع برغم التحديات والمخاطر الصحية المترتبة على خرق الإجراءات الاحترازية للوقاية من انتشار الفيروس، حيث كان التدهور الكبير والمتسارع الذي طرأ على قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار هو الشرارة التي أشعلت فتيل الاحتجاجات، بعد أن سجّلت خلال الأيام القليلة الماضية 1500 ليرة في البنك المركزي الذي حدد في الوقت ذاته السعر الأقصى لبيع الدولار في مؤسسات الصرافة عند 3200 ليرة، في حين اقترب سعر بيع الدولار في السوق السوداء، وهي سوق موازية تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وسط الأزمة القائمة من 4000 ليرة.

التدهور في سعر الليرة الذي يعني زيادة كبيرة في التضخم وانخفاضاً حاداً في القدرة الشرائية، خصوصاً لدى الطبقات الأقل دخلاً في المجتمع التي تأثرت بشدة نتيجة أزمة اقتصادية مستمرة ازدادت حدّتها مع إجراءات الإغلاق العام لاحتواء تفشي الفيروس، أمر ينذر بثورة جياع تظهر ملامحها من خلال ما يردده المشاركون في المسيرات والاعتصامات من هتافات تدور في معظمها حول رفضهم للغلاء الكبير الذي تجاوز 50% خلال ستة أشهر في أسعار السلع الغذائية وعدم قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية بحدّها الأدنى لأسرهم، ومن خلال الشعار الذي تبنوه رداً على التحذيرات من مخاطر المرض التي تتزايد نتيجة خروجهم إلى الشارع وهو «الموت بالجوع والموت بكورونا واحد».

الخطير في الحراك اللبناني هذه المرة عن سابقه الذي ظل سلمياً ومنظماً حتى آخر لحظة، هو ما شابه من عنف وتخريب للممتلكات العامة والخاصة أدى إلى إراقة الدم، حيث قتل أحد المتظاهرين في مدينة طرابلس شمال البلاد واندلعت اشتباكات مع قوات الأمن ورمى محتجون قوات الجيش بالألعاب النارية والحجارة، في حين رد الجنود بإطلاق الرصاص المطاطي، كما تمت مهاجمة المصارف وفروعها في العديد من المدن وتحطيم واجهاتها وإضرام النيران فيها، وهي مظاهر وسلوكيات لم تكن موجودة في سجلاته على مدار الشهور السبعة الماضية، وهو ما يؤشر إلى وجود حالة احتقان عميقة في أوساط المجتمع قد تنذر بما هو أبعد إذا لم تتم معالجتها بشكل جذري وسريع.

مهاجمة المصارف جاءت بعد أن فرضت قيوداً صارمة على العملة الصعبة خوفاً من تضاؤلها، بعد أن قدّرت إحصائيات حكومية قيمة الودائع التي خرجت منها خلال شهري يناير وفبراير الماضيين بحوالي 5.7 مليار دولار، تم تحويل الجزء الأكبر منها إلى الخارج، في حين تم سحب جزء محدود منها بهدف الاستخدام اليومي والاستهلاك، وكذلك الاحتفاظ به بشكل شخصي خوفاً من تداعيات أخرى على الاقتصاد اللبناني الذي يرزح تحت ديون تصل إلى 92 مليار دولار، أعلنت الحكومة مؤخراً توقفها عن سدادها ودفع خدمتها في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين العام.

صندوق النقد الدولي، كان الملاذ الذي لجأت إليه الحكومة اللبنانية للحصول على الدعم الذي يمكّنها من تجاوز أزمتها الحالية، بعد أن أعلنت خطة لإنقاذ الاقتصاد تقوم على الحصول على دعم من الصندوق لعبور المرحلة الاقتصادية الصعبة التي تواجه البلاد حالياً والتي ستمتد وفق هذه الخطة لثلاث أو أربع أو خمس سنوات وتتضمن إجراءات قاسية رفضتها جمعية المصارف فور الإعلان عنها لأنها ستقوض الثقة بلبنان وتعوق الاستثمار وأي احتمالات للانتعاش، ولا تعالج الضغوط التضخمية، فضلاً عن أنها تمس بالملكية الفردية.

الأحداث الأخيرة في لبنان تمثل، كما وصفها المنسق الخاص للأمم المتحدة في بيروت يان كوبيتش، تحذيراً للطبقة السياسية من استمرار مسلسل الفساد وتصفية الحسابات السياسية على حساب الشعب الذي تعيش غالبيته العظمى تحت خط الفقر، قبل أن تنزلق البلاد نحو المزيد من العنف الذي لا تحمد عقباه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات