قطاع النفط الإيراني … هل يصلح كسلاح في المعركة؟

د. عبدالمجيد الهيتي: قطاع النفط الإيراني ... هل يصلح كسلاح في المعركة؟

  • 18 يناير 2007

لا يتردد المسؤولون الإيرانيون في تكرار تهديداتهم باستخدام النفط "كسلاح" في المعركة ضد الغرب، كلما تزايدت ضغوط المجتمع الدولي الرامية إلى وقف البرنامج النووي الإيراني، مثلما حدث بعد العقوبات التي فرضها مجلس الأمن في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي (2006) على طهران، وما تلاها من تحركات أمريكية لفرض مزيد من العقوبات عليها خلال الفترة المقبلة لإلحاق الأذى بالاقتصاد الإيراني وإجبار إيران على وقف عمليات تخصيب اليورانيوم.

 ويلتقط المراقبون من هذه التهديدات نوايا لا تقتصر على وقف صادرات إيران من النفط الخام، والتي تقترب من نحو 2.5 مليون برميل يومياً، بل تمتد أيضاً إلى عرقلة إمدادات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الدولية والتي تصل إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً. وآخر تهديد صدر بهذا الخصوص كان في 9 يناير/كانون الثاني الحالي، عندما أعلن قائد عسكري إيراني كبير أن بلاده قد تقدم على إغلاق الممر الذي يتم من خلاله نقل النفط الخليجي في حال مورست ضغوط إضافية على طهران؛ حيث نُقل عن "مجيد مير أحمدي"، الرجل الثاني في ميليشيا الحرس الثوري الإيراني،  قوله: إن "موقع إيران المطل على مضيق هرمز، والذي تمر من خلاله 40% من موارد الطاقة في العالم، تجعلنا في موقع قوة يسمح لنا بأن نسيطر بقبضة من حديد على أمن موارد الطاقة في العالم".

 ومهما تكن طبيعة الخيار الذي يمكن أن تقدم عليه إيران في استخدامها لـ "سلاح النفط"، فإنه سيترك حتما آثاراً بالغة على أسواق النفط، والتي ستشهد بالتأكيد صعوداً حاداً في الأسعار، ليس هناك من بين المحللين من يستطيع التكهن بحجمه أو طبيعته. ولنا أن نشير هنا إلى أن هذه الأسعار قد تأثرت بالفعل، وبشكل مباشر، بتداعيات أزمة البرنامج النووي الإيراني، التي أُعتبرت ضمن أبرز العوامل التي ساهمت في صعود أسعار النفط خلال العامين الماضيين. وعلى الرغم من الهبوط الذي طرأ عليها منذ نوفمبر الماضي، والذي أفقدها حتى الآن نحو 13% من قيمتها، فإن هذه الأسعار ما زالت تستجيب صعوداً لكل ما يوحي بتفاقم الأزمة وتزايد احتمالات النزاع.

 غير أن ذلك لا يمنع من إثارة تساؤلات جدية بشأن جدوى "سلاح" النفط الإيراني في المديين المتوسط البعيد، واحتمالات أن ينعكس استخدامه بآثار سلبية على الاقتصاد والمجتمع في إيران. فإذا كانت ثروة إيران النفطية تمثل مصدر قوة وسلاح محتمل لها في مجابهة الغرب، فإن حالة الصناعة النفطية في إيران يمكن أن تكون في الوقت ذاته "عقب أخيل"، الذي يمكن من خلاله للاقتصاد الإيراني أن يصاب بشلل حقيقي، لاسيما إذا انطوى استخدام هذا "السلاح" على توقف صادرات إيران من النفط الخام ووارداتها من المنتجات النفطية الأخرى.

 فمن المعروف أن صناعة النفط والغاز تمثل عصب الحياة الاقتصادية بالنسبة لإيران بما تدره من إيرادات تشكل المصدر الأول لدخل الدولة من العملات الأجنبية. كما أصبحت هذه الصناعة، وخصوصاً في ظل الأسعار المرتفعة للنفط خلال السنوات الأخيرة، مصدراً مهماً لممارسة النفوذ السياسي بما تنطوي عليه من تأثير مباشر في أسواق الطاقة العالمية. لكن هذه الصناعة تعاني في الوقت ذاته من مظاهر هشاشة وضعف متزايدة الخطورة، تجعل من الاعتماد عليها كوسيلة للتأثير على المجتمع الدولي في أي نزاع محتمل "سيف ذو حدين" قد ينعكس بآثار كارثية على إيران قبل غيرها.

 فعلى مدى السنوات الماضية، ومنذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، شهد إنتاج النفط الإيراني انخفاضاً متواصلاً من 6.1 مليون برميل يومياً في عام 1974 إلى 3.9 مليون برميل يومياً في الوقت الحاضر، أو ما يقل بنسبة 5% من الحصة المقررة لها من قبل منظمة أوبك. ويعود ذلك إلى الأضرار التي لحقت بمنشآت البلاد النفطية أثناء الحرب مع العراق في الفترة (1980-1988)، والتي فاقم منها ضعف أو غياب الاستثمار في تأهيل وتوسيع هذا القطاع، والتلكؤ في إنجاز المشاريع الجديدة المرتبطة به.

 وثمة توقعات بمزيد من التدهور في تلك الصناعة؛ حيث أظهرت دراسة أعدها "روجر شتيرن" من جامعة "جونز هوبكنز" الأمريكية ونشرت الشهر الماضي في مجلة "الأكاديمية القومية للعلوم"، أن إيران باتت تعاني من حدوث تراجع كبير في صادراتها النفطية، بنسبة تتراوح بين 10% و12% سنوياً، مشيرة إلى أنه في حالة استمرار الاتجاه الحالي فإن تلك الصادرات ستختفي نهائياً بحلول عام 2015. كما توقع "شتيرن" أن تنخفض الصادرات الإيرانية في غضون أقل من خمس سنوات إلى النصف، وأن تختفي نهائياً من الأسواق بعد سنوات قليلة من ذلك.

 ولا يقتصر رصد حالة الضعف في قطاع النفط الإيراني على التقارير والدراسات الأجنبية المستقلة؛ إذ اعترف وزير النفط الإيراني، "كاظم وزيري همانة" في سبتمبر الماضي بأن حقول النفط، التي بدء الإنتاج في بعضها في عشرينيات القرن الماضي، تشهد انخفاضاً في الإنتاج في بنسبة 13% سنوياً، أي بنحو ضعف معدل الانخفاض الذي كان قد توقعه خبراء النفط المستقلون. 

 غير أن أخطر ما في هشاشة القطاع النفطي الإيراني الآن، يكمن في عجزه عن تلبية الطلب المحلي على المنتجات النفطية، واعتماد البلاد على وارداتها من الخارج لسد هذا العجز. فقد ساعدت السياسة التي اتبعتها الحكومة على تشجيع الاستخدام المسرف للطاقة، وذلك من خلال نظام الإعانات السخية المقدمة على استهلاك الوقود. فعلى سبيل المثال، تحدد الحكومة أسعار البنزين عند 0.35 دولاراً للجالون الواحد، وهو ما ساعد على إذكاء النمو البالغ معدله 10% سنوياً في الاستهلاك، حتى أصبح الطلب المحلي على البنزين يتجاوز وبنسبة كبيرة طاقة التكرير المحلية، الأمر الذي دفع بإيران إلى استيراد نحو 40% من هذه الطاقة لتلبية الاستهلاك المحلي، وبتكاليف تصل سنوياً إلى نحو 5 مليارات دولار. لذلك وبدلاً من أن يكون وقف صادرات النفط الإيراني للخارج سيفاً مسلطاً على المجتمع الدولي، فإن حظر تصدير المنتجات النفطية إلى إيران يمكن أن يشيع، في المقابل، اضطراباً اقتصادياً واجتماعياً واسع النطاق داخل البلاد.

 ولعل إيران هي أكثر من يدرك أهمية الحاجة الماسة التي تواجهها الآن لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتفعيل مساهمة الشركات الدولية من أجل إعادة تأهيل صناعتها النفطية. غير أن الانجازات التي تحققت على هذا الصعيد كانت مخيبة للآمال، فرغم أن البلاد استطاعت أن تستقطب نحو 20 مليار دولار من تعهدات التمويل إلى مشاريع النفط والغاز منذ عام 1995 ومن شركات أجنبية، من بينها مجموعة "رويال داتش/شل" البريطانية-الهولندية، و"توتال" الفرنسية و"ستاتويل" النرويجية، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات لم يتحقق فعلاً، بل إن اهتمام الشركات الدولية بقطاع النفط الإيراني شهد انحساراً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، ليس فقط بسبب تزايد المخاوف بشأن التوتر المتصاعد مع المجتمع الدولي، بل، وربما هذا هو الأهم، بسبب الشروط الإيرانية التي تحكم عمل الاستثمار الأجنبي في البلاد، فبسبب تحريم الدستور الإيراني للملكية الأجنبية في أصول الطاقة، نجد أن عروض إيران على الشركات الدولية تقتصر على عقود لحفر الآبار من دون تشغيلها، مع حصول الشركات على نسب صغيرة جداً من أرباح الإنتاج. فعلى سبيل المثال، لا يتجاوز إنتاج شركة "إيني" الإيطالية التي تعمل داخل قطاع النفط الإيراني منذ عام 1957، أكثر من 35 ألف برميل يومياً، ولا تتوقع الشركة أي زيادة في هذه الكمية في المستقبل.

 إضافة إلى ذلك، فإن حالات التعثر والتأخير في تنفيذ المشاريع الجديدة المرتبطة بهذا القطاع وتطوير القائم منها، ألحقت أضراراً بالغة بالصناعة النفطية الإيرانية، ففي حين احتل تطوير حقل "أزاديغان"، الواقع في جنوب البلاد، والذي يتوقع بأن يصل إنتاجه إلى 260 ألف برميل يومياً، أولوية لدى الحكومة الإيرانية، فإن هذه الحكومة أقدمت في أكتوبر الماضي على إلغاء عقد بقيمة 2 مليار دولار كانت قد أبرمته في عام 2004 مع شركة "إنبيكس" اليابانية لتطوير هذا الحقل. كما ابتلى مشروع سوروش/نوروز البالغة كلفته نحو 800 مليون دولار، والذي تقوم شركة "شل" بتطويره في مياه الخليج العربي، بمشاكل فنية ومالية عرقلت تنفيذه.

 ولا يقتصر الفشل في استغلال إيران لثروتها الطبيعي على النفط، فالمفاوضات المتعثرة والبطيئة جعلتها تتخلف كثيراً عن قطر في استغلال أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم تتشارك فيه الدولتين. ففي حين استقطبت قطر شركات من وزن "أكسون موبيل" الأمريكية و "شل" العملاقتين لتطوير حصتها من الحقل، فإن المحادثات التي لا تزال جارية بين إيران وشركتي "توتال" و"شل" لم تحرز سوى تقدماً محدوداً. وفي يناير الماضي تخلت شركة "ستاتويل" عن مشروع جنوب بارس للغاز الطبيعي والبالغة كلفته 329 مليون دولار بسبب "مشاكل تتعلق بالإنتاجية والنوعية" مع شركة مقاولة محلية. وقد أصبحت إيران الآن مستورداً صافياً للغاز، ومن غير المتوقع أن تتمكن من تغيير هذه الحالة قبل عام 2010.

 ويجمع المراقبون على أنه إذا استمرت إيران في تلكؤها في معالجة المشاكل الحالية التي تعاني منها صناعتها النفطية، فإنها ستجد نفسها في وضع تشترك فيه مع الغرب في القلق من تزايد الاعتماد على النفط المستورد من الخارج. وعندئذ فإن ثروة إيران النفطية ستتحول من مصدر قوة و "سلاح" محتمل لها في مجابهتها مع المجتمع الدولي، إلى نقطة ضعف خطيرة، ستجد من خلالها العقوبات الدولية طريقها إلى ترك آثاراً مؤلمة على الاقتصاد والمجتمع الإيراني.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات