فوز الإسلاميين في تركيا ومستقبل التيار الإسلامي في الشرق الأوسط

شحاتة محمد ناصر: فوز الإسلاميين في تركيا ومستقبل التيار الإسلامي في الشرق الأوسط

  • 25 يوليو 2007

لا جدال في أن الانتخابات التركية الأخيرة تتجاوز في دلالتها حدود تركيا إلى منطقة الشرق الأوسط برمتها، لاسيما فيما يتعلق بواقع ومستقبل التيار الإسلامي ودوره على ساحة الفعل السياسي في الدول الإسلامية، وطريقة تعاطي الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص معه.

 لقد قام مشروع "كمال أتاتورك"، مؤسس تركيا الحديثة، على أن الشرط الأساس لدخولها عصر التمدن والديمقراطية والتحديث، هو قطع أي علاقة لها بتراثها الإسلامي الذي حمّله مسؤولية ما وصلت إليه من تكلس وتخلف وتراجع مقارنة بالأمم الأوربية المتحضرة. ولهذا فإنه قام بإلغاء الخلافة الإسلامية في عام 1924، وتبنى نموذجاً علمانياً متطرفاً حاول من خلاله القضاء على أي مظهر إسلامي في حياة بلاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بدءاً من اللغة، مروراً بالعلاقات الخارجية، وانتهاءً بالزي. ومن فرط حرصه على هذه العلمانية فإنه أوكل إلى الجيش، بحكم الدستور، مسؤولية حماية الطابع العلماني للجمهورية، وهو ما أعطى للمؤسسة العسكرية دوراً كبيراً في العملية السياسية التركية، وأتاح لها التدخل للإطاحة بأربع حكومات خلال السنوات الخمسين الماضية كان آخرها حكومة الإسلامي "نجم الدين أربكان" في عام 1997. 

 وعلى الرغم من أن التيار السياسي الإسلامي قد مثل تحدياً لجمهورية "أتاتورك" منذ ظهوره على الساحة، خاصة بعد أن استطاع الوصول إلى الحكم بزعامة "نجم الدين أربكان" زعيم حزب الرفاه، الذي تم حله بضغط من الجيش بتهمة تهديد العلمانية وهي التهمة ذاتها التي أُجبر بسببها "أربكان" على تقديم استقالته، فإن ظهور حزب العدالة والتنمية الإسلامي على المسرح السياسي التركي مثل تحدياً من نوع مختلف؛ حيث استطاع تلاميذ "أربكان" وورثة فكره، وفي مقدمتهم "رجب طيب أردوغان" و"عبد الله جول"، أن يخلخلوا أسس الدولة العلمانية ويوجهوا لها ضربة قوية، رغم أنهم لم يقولوا أبداً أنهم ضد العلمانية أو ينوون الانقلاب عليها. فلم يتوقف الأمر عند حد السيطرة على رئاسة الحكومة، وإنما سعى الإسلاميون إلى تولي منصب الرئاسة، عبر ترشيح "عبد الله جول" لشغله، مما أثار العلمانيين بقوة واستنفر قواهم من أجل التصدي للزحف الإسلامي على مؤسسات الدولة. ولم تكن سيطرة الإسلاميين على الحكومة وتطلعهم إلى منصب الرئاسة، التحدي الوحيد لفلسفة "أتاتورك" العلمانية، فالتقدم الاقتصادي الذي شهدته تركيا في ظل حكم "العدالة والتنمية" مثّل تحديا آخر لهذه الفلسفة؛ حيث وصل معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 7 في المائة، الأمر الذي يتعارض مع أحد الأسس المهمة التي قام عليها فكر "أتاتورك" وهو أن الدين سبب التخلف ولا يمكن الحديث عن تقدم في أي مجال إلا بعيداً عنه وتحت ظلال العلمانية.

 على هذا الأساس لم تكن الانتخابات البرلمانية التي أُجريت يوم الحادي والعشرين من يوليو/تموز الحالي 2007، انتخابات عادية، وإنما وصفت بأنها الأهم في تاريخ تركيا الحديثة، ونقطة فاصلة في الصراع الدائر بين الإسلاميين والعلمانيين والذي وصل إلى مرحلة الحسم في رأي كثير من المراقبين. وهو ما يعطي للفوز الذي حققه الإسلاميون فيها أهمية كبيرة في مقابل تعثر واضح للعلمانيين المدعومين من المؤسسة العسكرية؛ لأنه يؤكد موقع التيار الإسلامي ونفوذه القوي في الشارع التركي، وقدرته على خوض المعارك الكبرى حتى لو كان طرفها الأخر هو الجيش.

 ولأن تركيا كانت دائماً نموذجاً لدولة إسلامية تحكمها العلمانية، ثم تحولت بعد ذلك إلى نموذج لصراع مستعر بين العلمانيين والإسلاميين، فإن الانتخابات الأخيرة فيها لا تتوقف دلالات نتائجها على الداخل فقط، وإنما تمتد إلى الإطار الإقليمي الشرق أوسطي الأوسع. وهنا يبرز تساؤلاً مهماً، هو: ما هي دلالة ما جرى في تركيا من تمكين للإسلاميين للمرة الثانية على التوالي عبر انتخابات عامة، بالنسبة لموقع الإسلاميين على الساحة السياسية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومستقبل تواجدهم؟

 لا شك أن الفوز الذي حققه الإسلاميون في تركيا، له دلالاته المباشرة بالنسبة لموقع ومستقبل اقرأنهم في الدول العربية والإسلامية الأخرى، خاصة أن هذا الفوز ليس طارئاً كما أنه لم يأت صدفة، وإنما له جذوره الراسخة التي تبرره وتؤكد على قدرته على الاستمرار والصمود.

 لعل الدلالة الإقليمية الأولى التي يمكن استنتاجها من هذا الفوز هي أن التيار السياسي الإسلامي في المنطقة أصبح من الرسوخ والقوة بحيث لا يمكن إلغائه أو تهميشه مهما كانت الحملة ضده، حتى لو كان ذلك في تركيا نفسها رائدة العلمانية وصاحبة التاريخ الطويل من طمس الهوية الإسلامية وملاحقة مظاهرها. فعلى الرغم من كل هذه السنوات الطويلة من محاولة إلغاء الإسلام من الحياة التركية وتقزيم دوره، فإنه عاد مرة أخرى ليمثل خلفية للحكم من خلال صندوق الانتخابات.

 أما الدلالة الثانية فتتمثل في ضعف شعبية التيار العلماني في المنطقة، فرغم كل الدعم الذي يُقدم للعلمانيين على المستويين الداخلي والخارجي في الشرق الأوسط، فإن السنوات الماضية أثبتت ضعف قاعدتهم الشعبية وعدم قدرتهم على تسويق بضاعتهم في الدول الإسلامية المختلفة، حتى في دولة مثل تركيا مدعومين فيها من الجيش والدستور. وإذا كانت هزيمة العلمانيين في مواجهة الإسلاميين هي ظاهرة عامة في الشرق الأوسط بشكل عام، فإنها في تركيا لها دلالة أكثر وضوحاً في التعبير عن معنى ما جرى ويجري وما سيجري في المستقبل.

 وتتصل الدلالة الثالثة بما سبقت الإشارة إليه من النظر إلى تركيا على مدى سنوات طويلة على أنها نموذج لدولة إسلامية علمانية يمكن تعميمه في المنطقة الإسلامية كلها، وهذا ما طرح بشكل مكثف بعد حرب العراق في 2003 وتبني الولايات المتحدة الأمريكية لمشروع نشر الديمقراطية في المنطقة. ولكن ما حدث في الانتخابات الأخيرة من هزيمة للعلمانيين، لا يجعل من تركيا النموذج الملهم للإصلاح في الشرق الأوسط من قبل الغرب والولايات المتحدة.

 الدلالة الرابعة تتعلق بتساؤل مهم هو: على ضوء ما جرى في تركيا، هل أصبح من المجدي الاستمرار في العمل من أجل تهميش الإسلاميين وإبعادهم عن ساحة العمل السياسي في الشرق الأوسط، وهل يمكن أن ينجح ذلك؟

 لقد أثبتت تجربة تركيا أنه لا يمكن إبعاد الإسلاميين مهما اتخذت ضدهم من إجراءات عنيفة، بل العكس هو الصحيح، فكلما تصاعدت محاولات وتحركات إبعادهم كلما ارتفعت شعبيتهم وزاد التفاف الناس حولهم. وهذا يرتبط بحقيقة أن الدين جزء أساس من ثقافة المجتمعات الإسلامية، اتصالاً بطبيعة الإسلام نفسه كدين يتدخل في شئون الحياة العامة على عكس المسيحية على سبيل المثال، وهذا هو أحد الجوانب التي ربما تكون غائبة عن الغرب في سعيه من أجل علمنة العالم الإسلامي وإبعاد الدين عن السياسة والمجتمع فيه. وبالتالي فإنه قد حان الوقت للبحث في سبل إشراك الإسلاميين واستيعابهم في الحياة العامة بدلاً من سياسة إبعادهم وتهميشهم التي ثبت أنها فاشلة؛ لأن الاستمرار في هذه السياسية يمكن أن يقود إلى نتائج خطيرة تنال من استقرار المجتمعات التي يتواجدون بها.

 وهناك تساؤل آخر مهم يدور حالياً حول ماهية تأثير ما حدث في تركيا على نظرة الولايات المتحدة إلى إسلاميي المنطقة ودورهم؟ وتنبع أهمية هذا التساؤل من أن مراكز تفكير المحافظين الجدد في واشنطن قد روجت خلال السنوات الماضية لفكرة مفادها أن الإسلاميين كلهم في سلة واحدة، وأنه لا فرق بين إسلاميين معتدلين وآخرين متشددين، وبالتالي لا يجب التعامل معهم أو الثقة بهم، وخرجت دراسات عديدة حول "كيفية هزيمة الإسلاميين" في مقابل "كيفية دعم العلمانيين والليبراليين" في الدول العربية والإسلامية. ولكن تجربة تركيا، أثبتت أن مقولة "الإسلاميين المعتدلين" ليست "وهما" كما روجت مراكز دراسات المحافظين الجدد، وإن إبعاد الإسلاميين هو "الوهم" الذي لا يمكن تحقيقه، كما أثبتت أن العلمانيين والليبراليين يفتقرون إلى القاعدة الجماهيرية على الرغم من كل الدعم المقدم لهم. وربما تقدم هذه الاستنتاجات والدلالات ما يمكن أن يدفع الولايات المتحدة إلى التفكير في مراجعة سياستها تجاه التيار الإسلامي في المنطقة برمتها على قاعدتين أساسيتين: الأولى أن الإسلاميين أصبحوا أمراً واقعاً لا يمكن الفكاك منه أو تجاهله، والثانية: أنه لا يمكن وضع كل الإسلاميين في سلة واحدة والتعامل معهم ككتلة جامدة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات