غياب الحريري… حدث يؤسس لأحداث

د. بشارة نصار شربل: غياب الحريري... حدث يؤسس لأحداث

  • 26 فبراير 2005

بغياب رفيق الحريري تنهار مرحلة من مراحل الحياة السياسية اللبنانية بتعقيداتها الإقليمية والدولية، لتبدأ مرحلة أخرى مفتوحة على الأسئلة والمجهول.

فرئيس الحكومة السابق لم يكن شخصية لبنانية عادية مارست السياسة وفقاً للقواعد التي كان معمولاً بها في لبنان منذ استقلاله في العام 1943، ولا قدم إلى السياسة من بيوتات الوراثة التي تدرجت في اللعبة الداخلية، ولا من طموحات العسكريين الراغبين في الترقي. كان رفيق الحريري بثروته الضخمة وعلاقاته الشاسعة أكبر من أن يتسع له المكان في لبنان. وهو، وإن أكد مراراً أن لا أحد أكبر من الوطن، فإن الوطن اعترف له بعد مماته انه كان على الأقل بحجم الوطن.

في حياته، ملأ رفيق الحريري الدنيا وشغل الناس، أصاب وأخطأ، لكن معارضيه يعترفون له بالإنجازات ماثلة في الإعمار وفي تعليم أجيال وفي أعمال الخير. ولأن موته جاء فجائياً ومأسوياً في لحظة مخاض سياسية خطيرة في لبنان، يتحول ضريح رفيق الحريري إلى مزار بعدما تحول تشييعه أكبر تظاهرة شعبية في تاريخ لبنان، توحد فيها المسلمون والمسيحيون، وشكلت عملياً رداً كاسحاً وصارماً على تظاهرة "المليون" التي نظمتها السلطة ضد القرار الدولي رقم 1559، الذي يطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان والتي لم تحصد ما كانت تتوقعه من أعداد.

بمقتل رفيق الحريري يشطب من المعادلة المحلية ركن كبير من الأركان، ومن المعادلة الإقليمية نموذج جذاب للمشروع الذي تريده الدول الغربية للمنطقة، قائماً على الانفتاح الديني والتعاطي الإيجابي مع العولمة الاقتصادية والفاعلية في التأثير في عملية التطوير والنهوض لإبعاد الشباب عن اليأس وبالتالي عن التطرف والإرهاب. فالحريري بهذا المعنى ممثل لـ"عروبة حديثة"، مناقضة لنظرية الفسطاطين، وقائمة على حداثة متصالحة مع الإيمان والعلمانية على السواء، ومؤمنة بالديمقراطية التي تحتكم إلى صناديق الاقتراع. فالحريري المسلم المؤمن هو السعودي واللبناني الحامل مشروع مصالحة دائمة وتعاون لا حدود له مع الغرب. أما بمعناه اللبناني، فإن الحريري كان تلك الطاقة التي شكلت احتياط الجمهورية، ومثلت مساحات مشتركة بين اللبنانيين مسيحيين ومسلمين تحت لافتة الوسطية والاعتدال.

بقتل الحريري يشطب من لبنان اتفاق الطائف الذي هو نتاج تسوية بين اللبنانيين أوقف حروبهم الأهلية-الإقليمية وأعاد ترسيم حدود صلاحيات طوائفهم، آخذاً في الاعتبار موازين القوى في تلك الفترة (1989)، من غير أن يعلن غلبة فريق على فريق. لكن اتفاق الطائف، الذي كان للحريري دور أساسي في التوصل إليه، لم يكن هو نفسه الذي عاش في ظله رفيق الحريري حاكماً وفي السلطة. فهو حين أُقر كان "طائفاً عربياً" برعاية دولية، لكنه ما لبث مع مقتل الرئيس رينيه معوض، بُعيد انتخابه في 1990، أن فقد ذاك التوازن مع فقدان ممثل التوازن. فمعوض كان يمثل لدى المسيحيين الموارنة واللبنانيين والعرب ما مثله الحريري قبل مقتله من لقاء بين المسيحيين والمسلمين من جهة ومن مصالحة بين لبنان والعرب والعالم من جهة أخرى. وبسبب فقدان الشخص وانسحاب العرب من رعاية الطائف والحسابات الدولية المعقدة تحول "الطائف العربي-الدولي" في لبنان إلى "طائف سوري" محض.

بمقتل رينيه معوض وانتخاب إلياس الهراوي طعن اتفاق الوفاق بطعنة في الصميم. فالهراوي القادم من تجربة سياسية متواضعة وشديدة المحلية سلّم الحريري مفاتيح الجمهورية ليعيش في عهده ما سمي عن حق "الانقلاب على الطائف". أما الحريري فهجس دائماً بالمشاريع الضخمة وبالحلول الكبرى، ومارس التقية السياسية، وتفنن في الحكم بعقلية رجال الأعمال، قبل أن تختمر تجربته ويصير رجل دولة من الطراز الرفيع.

ذهب رفيق الحريري وذهب "الطائف السوري" معه. وفي الواقع فإن النظام الذي كان يعيشه لبنان في ظل عهد الهراوي وبعده في ظل عهد الرئيس إميل لحود كان نظاماً هجينا لا أثر فيه لدولة المؤسسات، وتحول مع الوقت إلى سلطة متهمة دائماً بالفساد وعاجزة بالتالي عن مواجهة الأزمة الاقتصادية المتمادية في لبنان وعن استكمال المصالحة الوطنية وعن معالجة مأزق العلاقات اللبنانية-السورية التي تحولت عنواناً في الأزمة الوطنية الكبرى التي يغرق لبنان فيها الآن.

قتل رفيق الحريري في لحظة إقليمية دقيقة وقبل إقرار قانون انتخابات في لبنان كان موضع جدل حام واستنفار سياسي كبير قبيل لحظة الاغتيال. وكان يعول على الانتخابات لإنتاج سلطة سياسية تستطيع التعامل مع الوضع الناشئ عن قرار مجلس الأمن الرقم 1559، والذي تسبب في تجاذب حاد بين السلطة والقوى المؤتلفة فيها مدعومة من "حزب الله" والطائفة الشيعية عموماً وبين المعارضة التي اجتذبت الطوائف الرئيسة الأخرى الثلاث.

فالمسيحيون بقيادة البطريرك صفير طالبوا بانسحاب سوري بعد تحرير جنوب لبنان في العام 2000 ، وتبعهم زعيم الدروز وليد جنبلاط على خلفية رفض التمديد للرئيس لحود، ثم كان الرئيس الحريري الذي يتزعم الطائفة السنية قد قطع قبيل اغتياله مسافة كبيرة للانضمام إلى المعارضين. والطوائف الثلاث تلاقت بشكل أو بآخر مع مضمون القرار الدولي.

غياب الحريري خسارة لنقطة الوصل والحوار بين اللبنانيين من جهة وبينهم وبين السوريين من جهة أخرى، وبين العالم وبين دمشق في آن. ولأن القرار 1559 يتجاوز الوضع السياسي القائم من حيث تغييره الخيارات السياسية الأساسية التي أرساها "الطائف السوري" في لبنان، فإن العودة إلى هذا الاتفاق بنصه الأصلي أي "العربي" كانت الطرح المعتدل والمنطقي الذي جاهر به الرئيس رفيق الحريري، واعتبره مدخلاً لنزع فتيل القرار 1559 ووسيلة للقاء في منتصف الطريق بين المعارضين والموالين.

قتل رفيق الحريري في لحظة إقليمية ودولية حصلت فيها ثلاثة انتخابات. الأولى في الولايات المتحدة حيث تم التجديد للرئيس بوش ولسياسة الإدارة الأميركية التي يقودها المحافظون الجدد والتي تتعاطى مع المنطقة بعد سبتمبر/أيلول بصفتها جزءاً من استراتيجية ترتيب "الشرق الأوسط الكبير" على خلفية أيديولوجية رأس جبل الجليد فيها المطالبة بانتخابات ديمقراطية وحرة في المنطقة كلها ونزع المسببات التي يعتقد أنها تجلب الإرهاب. أما الانتخابات الثانية التي راهن الأميركيون على نجاحها فكانت تلك التي حصلت في فلسطين بعد غياب ياسر عرفات، والتي تسير نتائجها حتى الآن في طريق مقبول من وجهة نظر الأميركيين. وثالث انتخابات رأى فيها بوش نجاحاً كبيراً له كانت في العراق الذي، رغم كل أعمال العنف الجارية فيه، حقق خطوة مهمة في طريق لملمة وضعه الداخلي وإراحة الاحتلال الأميركي.

كان يتوقع للانتخابات في لبنان سواء عن قصد أو غير قصد أن تكمل السلسلة. والحريري رجل "الإسلام الحديث" المتنور، بعلاقاته المتينة مع فرنسا والعالم الغربي، كان يمكن أن يستكمل المشهد بانبعاث "عروبة" غير راديكالية في بلد تعايش اسمه لبنان، مؤهل أصلاً بسبب تنوعه الطائفي وعلاقته التاريخية بالثقافة الغربية أن يشكل نموذجاً يحتذى في الشرق. لكن الظروف القاهرة أرادت ألا يكتمل المشهد.

بمقتل الحريري شطبت فرصة الحل الوسط لإنقاذ "الطائف السوري" في لبنان. ونكبت المعارضة بفقدان الطائفة السنية رأسها. وبهذا التطور الخطير، الذي حمّلت المعارضة مسؤوليته للسلطتين اللبنانية والسورية، ظهرت مشاعر مكبوتة في الشارع اللبناني تجعل من المستحيل أن تستمر العلاقات السورية-اللبنانية الحالية من دون مبادرة سياسية جريئة تتخذها دمشق والسلطة اللبنانية على السواء. أما البديل عن المبادرة فهو سلطة أمنية عارية ورائحة دم أو نار تحت الرماد.

مقتل الحريري ينهي مرحلة سياسية في لبنان. لكنه ليس حدثاً عابراً، إنه حدث، مع الأسف، يؤسس لأحداث.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات