عُمان: حليف نموذجي للولايات المتحدة في الخليج

د. كينيث كاتزمان: عُمان.. حليف نموذجي للولايات المتحدة في الخليج

  • 12 يوليو 2005

رغم أن معظم الأمريكيين لا يعرفون عن سلطنة عُمان إلا النزر اليسير، فإن هذه الدولة الواقعة في الخليج العربي تعد أحد أكبر حلفاء الولايات المتحدة في تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة. فقبيل اندلاع الحرب بين إيران والعراق في سبتمبر/أيلول 1980، أبرمت عُمان اتفاقية مع الولايات المتحدة يتمكن الجيش الأمريكي بمقتضاها من استخدام ثلاث منشآت جوية عُمانية في "السيب"، و"جزيرة مصيرة"، و"ثمريت".

 ولم تكد تمضي ثلاثة أيام بعد توقيع تلك الاتفاقية حتى استخدمت الولايات المتحدة منشآت جزيرة "مصيرة" لتنفيذ المحاولة الفاشلة لإنقاذ رهائن السفارة الأمريكية في إيران. وفي السنة السابقة على ذلك، كانت سـلطنة عُمان إحدى الدول العربية القليلة التي لم تقطع علاقاتها بالقاهرة عقب توقيـع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية. وكانت تلك المعاهدة من المبادرات الكبرى للولايات المتحدة. وقد فُسّر موقف السلطنة من مصر آنذاك على أنه إظهار لدعم عُمان القوي للولايات المتحدة، ودليل على انفتاح السياسات الخارجية للحكومة العُمانية.

 لعبت اتفاقية استخدام المنشآت العُمانية التي جُدّدت في الأعوام 1985، و1990، ثم 2000، دوراً مهماً في عمليتي "الحرية الراسخة" التي نفذتها الولايات المتحدة أخيراً في أفغانستان، و"الحرية" في العراق. ووفقاً لتقارير وزارة الدفاع الأمريكية، فقد كان في السلطنة نحو 4,300 عنصر عسكري أمريكي أثناء تنفيذ عملية "الحرية الراسخة"، معظمهم من عناصر سلاح الجو، إضافة إلى مجموعة متنوعة من الطائرات الأمريكية، بما فيها قاذفات القنابل من طراز ب-1. وأثناء عملية "الحرية" في العراق تقلص الوجود الأمريكي في المنشآت العسكرية العُمانية إلى 3,750 فرداً، وفي الوقت الراهن لا يوجد سوى 26 عسكرياً أمريكياً في السلطنة، مما يشير إلى أن المنشآت العُمانية لم تعد تستخدم للعمليات الجوية في أفغانستان أو العراق في الوقت الراهن.

 وفي إطار مناخ التسامح والعقلانية السياسية، لم تكن هناك أدلة تذكر على وجود معارضة شعبية في عُمان للوجود العسكري الأمريكي فيها إبان اشتداد وطأة عملية "الحرية الراسخة" في أفغانستان أو عملية "الحرية" في العراق، رغم اعتقاد بعض العُمانيين أن "تلك العمليات كانت ضد الإسلام، وأنها كانت توقع الأذى ببعض المسلمين الأبرياء في خضم المعارك".

 لم تكن عُمان أقل اهتماماً من غيرها من دول الخليج بتعاونها الخاص بالجوانب القانونية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والمالية ذات الصلة بالحرب العالمية بزعامة الولايات المتحدة ضد الإرهاب. فبالإضافة إلى سنّ قوانين جديدة تهدف إلى منع التنظيمات الإرهابية من جمع الأموال أو غسلها في عُمان، يقول مسؤولون أمريكيون إن السلطنة تريد الانضمام إلى المبادرات التي تتزعمها الولايات المتحدة، لمكافحة تهديدات الإرهابيين المنبثقة من شحن الحاويات.

 ربما يشعر بعض العُمانيين بأن مساندة عُمان القوية لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم تكافأ بالقدر الذي كان متوقعاً. فالولايات المتحدة قدّمت لعُمان زهاء 15 مليون دولار سنوياً كمساعدات تنموية خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، ولكن حتى ذلك البرنامج المتواضع، مقارنة بالمساعدات الأمريكية لبعض الدول الأخرى مثل مصر، أوقف تماماً في عام 1996، بل إن الولايات المتحدة لم تطلق على عُمان صفة "حليف رئيس خارج الناتو"، إذ تعتبر هذه الصـفة امتيازاً مُنح لدولتين خليجيتين أخريين هما البحرين والكويت.

 ولكن بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وتقديراً للمســاندة التي قدمتها عُمان في عمليتي "الحرية الراسخة" في أفغانستان و"الحرية" في العراق، قدمت لها الولايات المتحدة نحو 20 مليون دولار سـنوياً، في شـكل تمويل عسكري خارجي، دعماً لمشتريات عُمان من العتاد العسكري الأمريكي الصنع. وكانت أضــخم عملية مشـتريات من هذا النوع تلك التي نفذتها عُمان في سـبتمبر/أيلول 2001، والتي اشتملت على 12 طائرة مقاتلة من طراز "إف-16" وما يتصل بها من المعـدات الضرورية للتدريب، وتقـدر قيمة تلك الصفقة بمبلغ 800 مليون دولار.

 كذلك تعتبر سياسات عُمان الداخلية مساندة لما دعت إليه إدارة بوش من إشاعة للديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي، وهي الدعوة التي تعتبرها واشنطن بمنزلة حجر الزاوية في الحرب العالمية ضد الإرهاب. وتعتقد الإدارة الأمريكية أن استئصال التطرف الإسلامي في المدى الطويل يعتمد على مقدرة الدول العربية والإسلامية على إتاحة الفرص لمواطنيها للمشاركة السياسية والتوسع في المجتمع المدني.

 انتهج السلطان قابوس استراتيجية تهدف إلى التحرير السياسي التدريجي وذلك منذ زمن طويل قبل شروع واشنطن في ممارسة أي ضغوط في ذلك الاتجاه، بل قبل ظهور أي ضغوط داخلية من العُمانيين أنفسهم لتوسيع المشاركة.

 لقد بدأ السلطان قابوس برنامجه التحريري عام 1980 بتشكيل مجلس استشاري للدولة، تم تطويره عام 1991 إلى مجلس للشورى، يتم اختيار أعضائه بالانتخاب، رغم أن السلطان هو الذي يقر الاختيار النهائي.

 وفي عام 1996، قسم السلطان قابوس الهيئة التشريعية (ما زالت لا تملك سلطات تشريعية) إلى مجلسين، بتكوين مجلس أعلى (مجلس الدولة) للعمل جنباً إلى جنب مع مجلس الشورى. وفي سبتمبر/أيلول 2000، حرر السلطان قابوس عملية الاختيار لمجلس الشورى عبر التأسيس لانتخابات مباشرة، لا يلعب فيها السلطان أي دور في الاختيار النهائي. ولكن أياً كان الأمر، لم يتخذ السلطان الإجراءات لتأسيس أحزاب سياسية رسمية.

 تصدّرت الحكومة العمانية حكومات منطقة الخليج في تشجيع إشراك النساء في العملية السياسية، فاعتبرت النساء مؤهلات للمشاركة في مجلس الشورى في بدايات التسعينيات من القرن الماضي. وعيّن السلطان ثماني نساء في مجلس الدولة الذي يتم تعيين جميع أعضائه. وفي مارس/آذار 2003، تم تعيين أول وزيرة عمانية، ليتوالى بعد ذلك تعيين النساء، فعيّنت ثلاث وزيرات أخريات للتعليم العالي، والسياحة، والتنمية الاجتماعية، وذلك في مارس/آذار، ويونيو/حزيران، ونوفمبر/تشرين الثاني 2004، على التوالي.

 ووفقاً لتقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول ممارسات عُمان في مجال حقوق الإنسان، فقد حدث التحرير السياسي في مناخ من التسامح السياسي العام. ويتمتع أتباع جميع الديانات والطوائف بحرية التواصل مع أفراد شيعهم بالخارج والسفر إلى الخارج للأغراض الدينية.

 وتتمتع الصحف بمساحة لتوجيه الانتقادات إلى الحكومة، ومع ذلك فإنه لا يسمح بتكوين اتحادات للعمال أو الموظفين. وبالإضافة إلى هذا، ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها لعام 2005 حول الاتجار بالبشر، الصادر في يونيو/حزيران 2005، أن عُمان "لا تمتثل امتثالاً تاماً لأدنى المعايير المطلوبة لاستئصال ظاهرة الاتجار بالنساء والرجال المستقدمين من جنوب آسيا للخضوع لأنشطة استرقاق اختيارية" في عُمان. غير أن أربع دول خليجية أخرى تعرضت هي الأخرى لانتقادات أشد من تلك التي وُجّهت لعُمان في ذلك التقرير، على الرغم من أن دول الخليج جميعها تعتبر حليفات للولايات المتحدة، بغض النظر عن انتقادات واشنطن لها في ملف كملف "الاتجار بالبشر".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات