عملية السلام فى الشرق الأوسط فى مفترق الطرق

د. محمد علي الهنائي: عملية السلام فى الشرق الأوسط فى مفترق الطرق

  • 10 يوليو 2006

شهد الأسبوع الأخير من مايو/أيار 2006 تطورات جديدة في الساحة السياسية الفلسطينية، فقد قرر السجناء الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية تقديم مبادرتهم إلى قيادتهم في رام الله، حول كيفية الخروج من الأزمة الراهنة بين الرئاسة والحكومة. ووجدت المبادرة أو "وثيقة الأسرى" ترحيباً حاراً من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "أبو مازن"، الذي سارع بالدعوة إلى مؤتمر قومي طارئ عرف باسم "مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني" لمناقشة الوثيقة واعتمادها كبرنامج عمل للحكومة.

 لم يتم الإفصاح عن تفاصيل الوثيقة أو كيفية إعدادها ومرتكزاتها، غير أن الحكومة في غزة تقبلت على مضض فكرة المؤتمر الوطني. ومن جانبه أدرك الرئيس أبو مازن الصعوبات والاختلافات التي تواجه الزعماء في رام الله وغزة، فأعلن أنه لن يحتمل الحوار اللانهائي حول الحوار، ولهذا سمح بمهلة عشرة أيام لإنهاء كل شيء، وإلا فإنه سيكون مضطراً لطرح المبادرة في استفتاء شعبي شامل ليقول الشعب الفلسطيني كلمته الأخيرة.

 لم يظهر أي تحسن في الأوضاع عقب الانتخابات العامة في كل من فلسطين وإسرائيل، فقد أكد الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر، الذي كان ممثلاً للأسرة الدولية في الانتخابات العامة الفلسطينية أن حركة حماس الإسلامية قد فازت في الانتخابات العامة بتحقيق نصر ساحق. وقد جاءت الحكومة الفلسطينية الجديدة وفقاً لإرادة الشعب الفلسطيني واختياره الحر حسب المبادئ الديمقراطية، ولكنها لم تجد قبولاَ من إسرائيل والولايات المتحدة وكبار المانحين الغربيين، في الوقت الذي وقف فيه العالم العربي مرة أخرى يعاني الارتباك.

 تتلخص الشروط المستقبلية للتعاطي مع الحكومة الفلسطينية الجديدة (التي ما يزال يطلق عليها في الغرب "حكومة حماس") فيما يلي: نبذ العنف، والتخلي عن النضال المسلح، والاعتراف بدولة إسرائيل، وقبول الاتفاقيات السابقة الموقعة بين السلطة الفلسطينية والعالم الخارجي  بما في ذلك إسرائيل.  وهذه المجموعة من الشروط المسبقة تتعارض فيما يبدو مع رؤى حماس فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد أشارت الحكومة الجديدة في عدد  من المناسبات إلى أنها تحترم  وقف اطلاق النار بين الطرفين، وأنها مستعدة للنظر في أمر النقاش حول هدنة طويلة الأمد، وهذا ما يجب على الأسرة الدولية أن تضعه في الاعتبار  كخطوة مهمة في الطريق الصحيح. وفي الواقع كان السيد شارون هو الذي نادى بفكرة الهدنة طويلة الأمد، وكذلك ساند الهدنة  إفرايم هاليفي رئيس الموساد السابق الذي تنحى عن منصبه عام 2003، حين دعا كلاً من إسرائيل وحماس للنقاش والاتفاق حول مبادرة مفصلة  تفرض شروطاً على الطرفين، كما حدث في هدنة عام 1949 بين العرب وإسرائيل.

 نتيجة لهذه الحالة الضبابية ما يزال أعضاء الحكومة السابقة التابعون لحركة "فتح" يصرون على عدم الانخراط في صفوف الحكومة الجديدة، بسبب سياساتها غير المقبولة تجاه عملية السلام. وبالمثل، لم تُظهر المجموعات الأخرى داخل الأراضي الفلسطينية مرونة  تذكر، وفي الوقت نفسه ليست العلاقة في أفضل  حالاتها بين رئيس السلطة الفلسطينية (الذي أعلنت الحكومة الجديدة في إسرائيل أنه الشخص الفلسطيني الوحيد المقبول لدى الإسرائيلين بصفته الشخصية وليس كرئيس للسلطة) مما أدى إلى شرخ عميق بين "محمود عباس" و"إسماعيل هنية" (حكومتان إحداهما في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة). وقد أدى ذلك إلى حدوث توترات بين مقاتلي "فتح" و"حماس"، وهذه الحالة ربما تزداد تصعيداً.

 يرى الكثيرون أن الإدارة الفلسطينية الحالية مشلولة  الحركة. ومع تدهور الحالة لا بد من أخذ مختلف الخيارات في الاعتبار. لقد ذكر رئيس السلطة الفلسطينية بوضوح أنه يملك السلطة  لحل الحكومة، كما أنه وجد دعماً ومساندة من أحد زعماء فتح ومن وزير سابق. ويرى من ساندوا الرئيس أبو مازن أنه يملك من السلطة ما يكفي لحل الحكومة الحالية والدعوة إلى انتخابات عامة جديدة. كذلك دعت واشنطن الرئيس عباس إلى حل حكومة حماس قبل نهاية أغسطس/آب. وفي حركة غير مسبوقة قام رجال الأعمال في فلسطين بدخول الساحة السياسية، ونادوا بضرورة الحوار بين جميع الأطراف المعنية، والإسراع بتكوين حكومة وحدة وطنية.

 غير أن كثيراَ من التساولات سيظل بلا إجابة،  فالحكومة الحالية في فلسطين هي الحكومة المنتخبة ديمقراطياً من الفلسطينيين، ولهذا ربما يكون من الخطأ تسميتها "حكومة حماس". لقد كان نشر الديمقراطية في دول الشرق الأوسط العربية في صدارة أولويات سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، وقد أجريت الانتخابات تحت إشراف زعيم أمريكي بارز هو الرئيس الأسبق جيمي كارتر، فهل نحن بحاجة إلى شخص آخر لتأكيد صحة حكمه؟ لقد رُفضت حماس قبل فوزها بالانتخابات، وما زالت مرفوضة إلى يومنا هذا. أما الحكومة الفلسطينية السابقة فقد وجدت قبولاً لدى إسرائيل والغرب، ولكن يظل السؤال قائماً حول التقدم الفعلي الذي أحرزته تلك الحكومة.

 ربما تدعو القوى الخارجية إلى تغيير الحكومة في قطاع غزة، ولكن هل العالم مستعد لتحمل العواقب؟ إن هناك تشديداً على تشكيل حكومة أخرى مقبولة لدى الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين والسلطة الفلسطينية، ولكن هل ستكون حكومة مقبولة لديهم فعلاً؟

 إذن، ما هي السيناريوهات المحتملة؟ وعمَّ سيسفر مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني الذي يجري حالياً؟

 (1) في حالة إنشاء آلية وفقاً لاقتراح الدول الغربية لتوصيل الأموال مباشرة إلى المؤسسة الرئاسية بدلا من الحكومة المنتخبة، وفي حالة قبول الرئيس الفلسطيني بهذه الترتيبات، فإن الحالة ستكون بلا شك جدّ خطيرة بالنسبة إلى الحكومة المنتخبة بقيادة حماس.

 (2) إذا استمر إجراء الاتصالات بالعالم الخارجي من خلال الرئيس وليس من خلال الحكومة كما هي الحال الآن، فإن الحالة ستزداد سوءاً.

 (3) إذا عُهد لجنود الرئيس بمسؤولية حراسة معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة بدلاً من القوات العسكرية الحكومية كما سيكون متوقعاً،  فمن الممكن وصف الحالة بأنها جدّ خطيرة.

 (4) إذا لم يتوصل مؤتمر الحوار الوطني إلى إجماع، وكان البديل اللجوء للاستفتاء العام، فإن هذا أيضا ربما يكون بداية النهاية للحكومة الحالية.

 (5) إذا استمرت الحال كما هي عليه لفترة أطول، فمن المرجح أن تكون هناك حكومتان متوازيتان لهما رؤى مختلفة بشأن مستقبل فلسطين.

 خلاصة القول أن الموقف الحالي لحكومة حماس يمثل موقف الغالبية من أفراد الشعب الفلسطيني، الذي يعتقد أن الحكومات السابقة قدمت العديد من التنازلات، غير أن المعاناة ما زالت مستمرة، ولعلهم يشعرون أن الوقت قد حان للثبات في النضال من أجل الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني المحروم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات