عقاب "حماس" أم الشعب الفلسطيني؟

  • 23 فبراير 2006

قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير بفرض عقوبات على السلطة الوطنية الفلسطينية، أهمها تجميد نقل نحو خمسين مليون دولار شهريا إليها من الأموال التي تجمعها إسرائيل لمصلحتها من عائدات رسوم الضريبة المضافة والرسوم الجمركية على المنتجات التي تدخل الضفة الغربية وقطاع غزة، هو عقاب جماعي خطير للشعب الفلسطيني لا تقره أي مواثيق أو أعراف دولية، حيث تشكل هذه الأموال %30 من موازنة السلطة الفلسطينية وتؤمن رواتب آلاف الموظفين الفلسطينيين بينهم نحو ستين ألف شرطي وعنصر أمن، بما يعني أن الفلسطينيين مقدمون على أزمة مالية خانقة تضاف إلى الأزمات الاقتصادية العديدة الأخرى التي يعانونها وأهمها البطالة والفقر وغيرهما من المشاكل والأزمات.

إن عقاب الفلسطينيين بهذا الشكل الجماعي لأنهم مارسوا حقهم في اختيار ممثليهم في المجلس التشريعي في انتخابات نزيهة جرت تحت إشراف دولي، هو توجه خطير من شأنه أن يدفع الأمور إلى مزيد من التأزم ويغذي توجهات التطرف والعنف وربما يقضي على إرهاصات التغيير في توجهات "حماس"، التي بدأت الظهور على مستويات مختلفة خلال الفترة الماضية، كما أنه يعوق الجهود التي تبذلها أطراف عدة لإبقاء عملية السلام مستمرة وفق الأطر والمرجعيات التي قامت عليها منذ مؤتمر مدريد وما لحقته من اتفاقات وتفاهمات.

لقد أدت سياسات العقاب الجماعي التي اتبعتها إسرائيل خلال السنوات الماضية، خاصة منذ أن تولى آرييل شارون مقاليد الحكم، إلى إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية وتدمير قدرتها على الإمساك بزمام الأمور، وإلى دعم وتغذية التوجهات الرافضة لعملية السلام والمشككة في جدوى الكفاح السلمي كطريق للحصول على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وإن كان الفلسطينيون قد دفعوا ثمنا باهظا لهذه السياسة الحمقاء من أمنهم وتنميتهم وحياة أبنائهم، فقد شاركتهم إسرائيل في دفع الثمن كذلك، حيث لم تجلب لها هذه السياسة الأمن مثلما كان يتوقع منفذوها، بل إنها جلبت لها الدمار والخوف وكانت العملية السلمية هي أكبر ضحية لكل ذلك. والمثير أن إسرائيل لم تستفد من التجربة وها هي تكررها مرة أخرى بل وتدعو العالم إلى مشاركتها فيها بهدف محاصرة "حماس" والعمل على إفشال حكومتها، بينما المحاصر الحقيقي سيكون الشعب الفلسطيني الذي كانت سياسة إسرائيل سببا رئيسيا من أسباب تصويته لمصلحة حركة "حماس" في الانتخابات الأخيرة، والغريب أنها تتبع السياسة نفسها بهدف إسقاط الحركة!!

لقد أطلق الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، تحذيرا من معاقبة الشعب الفلسطيني لأنه اختار "حماس" للحكم، وقالت الأمم المتحدة إن قرار إسرائيل بعقاب السلطة الوطنية الفلسطينية اقتصاديا قرار خاطئ. والمهم والضروري أن تستمع إسرائيل إلى مثل هذه الأصوات وتكف عن الاستمرار في سياسات العقاب الجماعي التي تزيد من الفجوة النفسية بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتدرك أن الحكومات تتغير بينما الشعوب باقية، وأنه لا بد من بناء جسور الثقة مع الشعب الفلسطيني الذي يتحكم في مفاتيح القرار في عملية السلام ومستقبل العلاقة مع إسرائيل بشكل عام.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات