سياسات واشنطن في الشرق الأوسط: استبعاد فكرة التوازن

عبدالوهاب بدرخان: سياسات واشنطن في الشرق الأوسط... استبعاد فكرة التوازن

  • 14 مايو 2006

خلال التحضير للحرب على العراق أواخر 2002 وأوائل 2003، ومع تصاعد التوتر بين حكومة توني بلير والمعارضين للحرب، خصوصاً داخل حزب العمال، طرح رئيس الوزراء في كلمته أمام حزبه فكرة مبادرة مفادها أن الذهاب إلى العراق يتطلب إحراز تقدم معيّن على الصعيد الفلسطيني-الإسرائيلي. وكان في ظن بلير أن مثل هذا "التوازن" يعزز جانب "حسن النية" والأهداف النبيلة للحرب. لكن كان عليه أن يضمن موافقة الحليف الأكبر (الأمريكي) على هذا المبدأ. لم تكن المهمة سهلة، لكن الرئيس جورج بوش ما لبث أن تجاوب في الأيام الأخيرة التي سبقت الحرب. وتمثل "الإنجاز" وقتئذٍ بنشر "خريطة الطريق"، التي كانت متداولة في الدوائر الديبلوماسية، وكانت واشنطن تعارض إعلانها في انتظار أن يلبي الجانب الفلسطيني بعض الشروط، ومنها خصوصاً التزام "مكافحة الإرهاب" والشروع في تفكيك بنيته.

 معلوم ما حدث بعد ذلك، فما أن بوشرت جهود دولية لتفعيل تلك الخريطة حتى أشهرت إسرائيل تحفظاتها الـ 14 عليها، وتمكنت بمساعدة أمريكية من إفراغها من مضمونها، ومن إعادتها إلى السيناريو الإسرائيلي الأصلي، الذي أبقى الحكومة الفلسطينية أمام الشروط الأمنية إياها، من دون أي التزام سياسي من جانب إسرائيل أو أي التزام دولي لها. واستمر جدول الأعمال مجمداً بين الطرفين، إلى أن تبين الهدف حين قصد آرييل شارون البيت الأبيض، وانتزع من الرئيس بوش ما أصبح يُعرف بـ "وثيقة أبريل/نيسان 2004"، التي تطلق يد إسرائيل في فرض أي حل تراه مناسباً لها أمنياً وسياسياً، بما في ذلك الموافقة الأمريكية على تفسيرات شارون للقرارات الدولية، وبالتالي استباق نتائج أي مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين. كان بوش آنذاك عشية حملته الانتخابية، وكان بحاجة إلى دعم اللوبي اليهودي.

 تلك "الوثيقة" هي التي استند إليها شارون في الذهاب إلى ما سمي "خطة الفصل"، والتي كان الانسحاب من قطاع غزة مرحلة أولى فيها، ولا شك أن إيهود أولمرت يعتمد على الالتزامات الأمريكية نفسها لإكمال الخطة في الضفة الغربية، وصولاً إلى رسم الحدود بواسطة الجدار. وهكذا لم يعد أحد في إسرائيل يعتقد أن "خريطة الطريق" هي التي تحدد مسار حل المأزق الفلسطيني-الإسرائيلي، تمهيداً للانتقال إلى التفاوض بحثاً عن حل دائم. فهذا الحل الدائم هو ما ستفرضه إسرائيل على الأرض، وليس ما يُتفق عليه بين الطرفين. بل لم يعد هناك سوى "اللجنة الرباعية" (الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) التي تتحدث عن "خريطة الطريق"، وتخصص اجتماعاتها لإصدار بيانات التوبيخ والانتقاد للسلطة الفلسطينية. وأخيراً، تحولت "الرباعية" إلى هيئة لإدارة المقاطعة الدولية والإسرائيلية لهذه السلطة بعد دخول حركة "حماس" إليها عبر صناديق الاقتراع.

 لم يكن مفاجئاً أن يجدد الرئيس بوش التزام الولايات المتحدة الدفاع عن إسرائيل، وذلك في سياق تهنئته لأولمرت بالحصول على ثقة الكنيست في حكومته الجديدة. فالجميع يعلم أن أمن إسرائيل هو الثابت الوحيد في السياسة الأمريكية حيال الشرق الأوسط. ولعل واشنطن استطاعت أن تفرضه أيضاً كأحد ثوابت علاقاتها وتحالفاتها الظرفية مع دول المنطقة بمعزل عما يحدث من تحولات واضطرابات في مسار القضية الفلسطينية. وقد ساعدها على ذلك أن دول المنطقة اضطرت للاعتماد على الدعم الأمريكي، المباشر وغير المباشر، في ضمان أمنها. لكن هذه الدول تعلم أن أي التزام أمريكي تجاهها لا يعادل الالتزام تجاه إسرائيل.

 وعلى الرغم من التطور الهائل الذي شهده الاعتماد العربي على الولايات المتحدة، فإن الأخيرة لا ترى موجباً لتبني استراتيجية الحل العادل للقضية الفلسطينية، بما تعنيه من تعزيز لأمن إسرائيل وأمن جيرانها. أي إن فكرة "التوازن"، التي قد يكون بلير طرحها، بإخلاص أو بمراوغة، ليست على جدول الأعمال الأمريكي حتى بعد المضاعفات السلبية للتورط الأمريكي في العراق. إذ لم تطرحها واشنطن، ولو من قبيل المصلحة أو على سبيل التجربة، لاستقطاب سورية أو عقد تفاهمات معها، رغم أن أفكاراً كثيرة ُطـرحت في مفاوضات سرية أو غير ملزمة، وصبت في اتجاه خلق مثل هذا التوازن. وانتظر الأمريكيون الفرصة التي سنحت مع شعور النظام السوري بأنه مستهدف، ليحصلوا على إجراءات سورية أدت إلى إسكاتهم، فما عادوا يتهمون دمشق يومياً بأنها تساعد "النشاط الإرهابي" في العراق.

 وها هو وجود "حماس" في الحكومة الفلسطينية، بعد انتخابات تمت وفقاً للمتطلبات الأمريكية، يوفر لواشنطن فرصة ليس لإعادة النظر في النهج الذي تتبعه في مقاربة المسألة الفلسطينية وإنما لحصار شعب وتجويعه عقاباً له على اقتراعه لـ "حماس"، وأيضاً للتحلل من عبء التزامات قطعها الرئيس بوش لكنها لم تعد قابلة للتحقيق على أرض الواقع بصرف النظر عن هوية الحكومة الفلسطينية. وليس في ذلك تراجع عن "استراتيجية الدمقرطة" فحسب، وقد ُسجلت لهذا التراجع ظواهر في أكثر من مكان، وإنما فيه إصرار على العدوانية، وعبث بالمسؤولية، وتلاعب بقضية شعب. فهذه القضية كانت مطروحة على المجتمع الدولي، قبل ظهور "حماس"، ولا تزال تلح على الحلّ كمفتاح لا بد منه للتغيير المرتقب في المنطقة.

 عندما ترى شعوب العالم العربي والإسلامي أن الولايات المتحدة، أياً كانت الإدارة فيها، لا تقيم وزناً لأمنها وطموحاتها، فإنها تجد نفسها مدفوعة دفعاً إلى البقاء في مناخ العداء للدولة العظمى الوحيدة. هنا يتحول الإحباط إلى حالة عقلانية لا تجد من يخاطبها سوى احتمال تسلح إيران نووياً على الرغم من أنه ليس رهاناً عقلانياً، أو أشرطة زعماء الإرهاب على الرغم من أنهم لا يشكلون رهاناً ولا حتى أملاً. بل إن الخضوع، وقد ارتضاه البعض وجربه، لم يبد خياراً مجدياً بسبب ما خلفه من انعكاسات اجتماعية. هناك منطقة محكومة، إذاً، بأن تبقى حقل اختبار لصنع العداوات والأعداء لتبرير سياسات مقفلة ومستعصية على التغيير.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات