ربع قرن في مسيرة التعاون

  • 18 ديسمبر 2005

بعد أن أتم ربع قرن على انطلاقه في أبوظبي عام 1981، تعقد اليوم، في محطة البدء والانطلاق، الدورة السادسة والعشرون لقمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث تستضيف أبوظبي قادة دول التعاون في قمة يرى الخبراء والمراقبون أنها محطة تاريخية فارقة، سواء بالنظر إلى حساسية الظروف الإقليمية والدولية التي تطرح نفسها على أجندة القمة، أو في ضوء مرور ربع قرن على مسيرة المجلس وما تفرضه هذه المحطة الزمنية المهمة وما تتطلبه كذلك من تطوير لآليات عمله بما يتواكب مع التحولات الجارية ويجعل المجلس أكثر تجاوبا مع المتغيرات وأكثر تفاعلا مع البيئة المحيطة.

على مدار أكثر من عقدين من الزمن، نجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية في تجاوز الكثير من العثرات وحقق الكثير من الإنجازات، وهي إنجازات يرى الكثير من الخبراء أنها لم تلامس بعد طموحات الشعوب، ولكن الموضوعية تقتضي الاعتراف بالأهمية النوعية لما تحقق، وتقتضي أيضا القول إن مسيرة المجلس تمضي ببطء ولكنها ليست جامدة ولم تتوقف يوما، خصوصا أن الفترة الماضية قد أثبتت أن المجلس قد ارتقى إلى مرحلة النضوج السياسي، وأثبت مرونة وديناميكية وحيوية سياسية في مواجهة بعض الخلافات والإشكاليات التي عبرها المجلس بسلام بعد أن تكهن بعض المتشائمين بأنها ستكون بداية النهاية لمسيرة المجلس، على الأقل في شقها الاقتصادي. وكان أحد الاختبارات المهمة التي نجح المجلس في تجاوزها قد تمثل في الخلاف الذي نشب بين الدول الأعضاء حول إبرام اتفاقيات لإقامة منطقة تجارة حرة مع الولايات المتحدة، ونجح المجلس في تجاوز هذا الخلاف عبر تسوية قوبلت بترحاب من الأعضاء الست جميعهم، ليثبت المجلس أنه بات منظمة إقليمية فعالة ومرنة وذات خصوصية متفردة تجعل من الحفاظ على كيانها وشبكة العلاقات بين أعضائها أولوية قصوى تضفي على بنية المجلس مناعة سياسية وتحصنها ضد أي تغيرات طارئة أو عابرة. وإذا أضفنا ما أثبته المجلس خلال السنوات الماضية من مقدرة على الحفاظ على دورية الانعقاد، بل وإضافة آلية جديدة لالتئام مؤسسة القمة في اجتماعات تشاورية نصف سنوية، وأيضا تفادي ثقافة مقاطعة الاجتماعات التي نسفت الكثير من الكيانات والتكتلات الجماعية العربية، فإن قادة المجلس قد أثبتوا وعيا فائقا بحجم التحديات التي تواجه دولهم والمسؤوليات الملقاة على كاهلهم، فالخلافات واردة في العمل السياسي، ولكن يبقى التعاطي معها انعكاسا لمدى إيمان وقناعة القادة بالعمل المؤسسي الجماعي، وفي هذا الإطار تحديدا نجح قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في البرهنة مرة تلو الأخرى وقدموا أدلة عديدة على أن المجلس يمتلك مقدرة فريدة على التجديف في بحار السياسة المتلاطمة، ويمتلك أيضا الإرادة لتحقيق طموحات الشعوب التي تريد لهذه المؤسسة التطور والنجاح وترجمة أحلام أبناء دوله الست إلى واقع ملموس. بعد مرور ربع قرن على بداية المسيرة، أصبح لمجلس التعاون لدول الخليج العربية مكانة مركزية في الوعي الجماعي لقادة وشعوب دول المنطقة، وبعد هذه السنوات من العمل المشترك، فإن الخبرات المتراكمة تؤهل المجلس، بالإضافة إلى ما يمتلكه فعليا من مقومات الوحدة والتكامل بين دوله وشعوبه، لأن يحقق خلال الفترة المقبلة مزيدا من المكاسب باتجاه استكمال مرحلة "المواطنة الخليجية"، التي تمثل حلما وطموحا يسعى إليه القادة وتترقبه شعوب المنطقة. ربع قرن من الزمن تفصل بين أبوظبي 1981 وأبوظبي 2005، وما بين هاتين المحطتين الزمنيتين، عاصرت منطقة الخليج أحداثا وتطورات كثيرة بمقاييس وحسابات الزمن، وهي أحداث ربما لم تشهد منطقة أخرى مثلها، سواء من حيث حجم الأحداث أو تأثيراتها، وأيضا من حيث تعاقبها زمنيا، ولأن أبوظبي 1981 كانت محطة الانطلاق لمسيرة التعاون، فإن أبوظبي 2005 ستكون -بإذن الله- محطة انطلاق جديدة تعطي مسيرة التعاون قوة دفع متجددة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات