ديناميكية متجددة في مجلس التعاون

  • 30 مايو 2005

مرة أخرى، يثبت مجلس التعاون لدول الخليج العربية ديناميكيته ومرونته السياسية الواضحة في مواجهة التحولات الطارئة في المجالات كافة ومقدرته على تجاوز الإشكاليات العابرة التي قد يرى فيها البعض بداية النهاية لمسيرة المجلس، حيث اتفق قادة دول المجلس، كما ذكر الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية السعودي، على تجاوز الخلاف حول إبرام اتفاقيات لإقامة مناطق تجارة حرة بين الولايات المتحدة وأي من دول مجلس التعاون، وتمت الموافقة، كما ذكر الوزير السعودي، بين قادة دول مجلس التعاون على استثناء الولايات المتحدة من الاتفاقيات الثنائية التي تبرم معها لإقامة منطقة تجارة حرة، وذلك لمنع تقويض الكيان المؤسسي الخليجي والحفاظ على مكتسبات التكامل الاقتصادي بينها.

وهكذا شاءت الظروف أن يثبت مجلس التعاون بعد مرور نحو ربع قرن على إنشائه أنه منظمة إقليمية فعالة ومرنة وذات خصوصية متفردة، تجعل من الحفاظ على كيانها وشبكة العلاقات بين أعضائها أولوية قصوى تضفي على بنية المجلس مناعة سياسية وتحصنها ضد أي تغيرات طارئة أو عابرة.

ولعل أهمية هذا الاتفاق تتمثل في كونه ينهي الخلاف الذي رأى فيه الكثير من الخبراء والمتخصصين تحديا اقتصاديا هائلا ونقطة مفصلية ستقسم الصفوف داخل المجلس وتنهي مسيرة التعاون بين دوله خصوصا في شقها الاقتصادي، حيث ثارت تكهنات ومخاوف عدة بشأن مستقبل المجلس في القمة السنوية التي عقدت في ديسمبر الماضي عقب إبرام اتفاق تجارة حرة بين مملكة البحرين والولايات المتحدة، ما أثار غضب الرياض التي اعتبرت هذه الخطوة انتهاكا لاتفاق التعرفة الجمركية المشتركة، الذي يعتبر حجر الزاوية في مسيرة تعاون دول "التعاون". كما لا يخفى على أحد أن التكهنات والمخاوف بشأن انقسام المجلس في مواجهة هذا الانعطاف والتحدي الاقتصادي الكبير قد ازدادت بعد أن فتحت الولايات المتحدة باب المفاوضات التجارية مع عضوين مهمين آخرين من دول المجلس هما دولة الإمارات وسلطنة عمان. ولكن جاءت الأنباء من الرياض لتثلج الصدور وتؤكد أن قادة دول مجلس التعاون على وعي استراتيجي تام بالتحديات التي تواجه دولهم في هذه المرحلة التاريخية المهمة، وعادت الآمال والطموحات بين أبناء "التعاون" إلى مسارها الصحيح لتؤكد أن المجلس سيسير، بعد تجاوز هذه العقبة والخلاف الطارئ، على درب الوحدة الخليجية الاقتصادية، وأن جهود سنوات مضت من العمل الجماعي المشترك ستمضي كما أراد لها القادة وكما تطمح إليها الشعوب.

وهكذا أثبت مجلس التعاون تفرده واستثنائيته من بين مؤسسات العمل الجماعي الإقليمي العربي التي يواجه بعضها الجمود جراء الإخفاقات المتواصلة بسبب الخلافات بين أعضائها فيما لقي بعضها الآخر حتفه سياسيا ولم يعد سوى ذكرى تاريخية يمر عليها الباحثون مرور الكرام بعد أن أصبحت أثرا بعد عين بسبب الخلافات أو تفاوت الأهداف والأجندات بين الدول والقادة، أو بسبب "شخصنة" الخلافات التي تنعكس سلبا بدورها في علاقات الدول العربية، فالخلافات واردة ولكن يبقى التعامل معها انعكاسا للإيمان والقناعة بالعمل المؤسسي الجماعي. ولذا فإن قمة الرياض التشاورية قدمت الدليل على أن مجلس التعاون يمتلك المقدرة على التجديف في بحار السياسة المتلاطمة، ويمتلك الإرادة لتحقيق طموحات الشعوب التي تريد لهذه المؤسسة التطور والنجاح وترجمة أحلام شعوب دوله الست وطموحاتهم إلى واقع ملموس.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات