دروس الحـرب في لبنـان

  • 15 أغسطس 2006

إذا كان في الحرب الهمجية التي شنتها إسرائيل على لبنان، منذ الثاني عشر من يوليو الماضي، من رسالة غير رسالة التدمير والحقد والانتقام التي بثها الجيش الإسرائيلي على مدار أكثر من شهر، فهي أن القوة العسكرية، مهما بلغ عنفوانها وتفوقها، لن تحل مشكلات الصراع العربي-الإسرائيلي في لبنان أو فلسطين أو سوريا.

بعد خمسة حروب إسرائيلية-عربية بدءا بحرب 1948 وانتهاء بحرب 1982، سلم الطرفان بأنه لا مجال لحسم "الصراع" بالضربة العسكرية القاضية، وأنه لا بد من اللجوء إلى طاولة المفاوضات، فكان مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي حسم فيه العرب خيارهم لمصلحة العملية السلمية. إلا أنه يبدو أن إسرائيل لم تكن قد حسمت خيارها بعد ولهذا جاءت الحرب السادسة، حيث لجأت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لاشتعال الموقف مع لبنان الشهر الماضي إلى القوة العسكرية المفرطة مستغلة الخلل في توازن القوى لمصلحتها، ورأت أنه بإمكانها أن تحسم كل شيء خلال ساعات أو أيام على أكثر تقدير، وأن تجلب الأمن الدائم لجنودها وسكانها في الشمال من خلال صب ألسنة الدمار واللهب على رؤوس اللبنانيين. ولكن ما حدث هو أن دائرة الدم اتسعت وطالت مدنها ومواطنيها، وعلى الرغم من استمرار الحرب لأكثر من شهر، فإن إسرائيل بآلتها العسكرية الجبارة لم تستطع تحقيق أهدافها العسكرية التي رسمتها أو جلب جندييها الأسيرين، كما أنها لم تستطع رفع مستوى الإحساس بالأمن لدى مواطنيها، الأمر نفسه يحدث في قطاع غزة، فعلى الرغم من الهجوم التدميري الذي تشنه إسرائيل على القطاع، فإنها غير قادرة على منع التهديد الصادر منه لأمنها ولجنودها.

الدروس التي لا بد من استيعابها من قبل إسرائيل على ضوء حرب لبنان والهجوم على غزة ، هي أن الأمن لا يتحقق إلا بالسلام وبعودة الحقوق إلى أصحابها، وأن خيار القوة لا يحقق إلا مزيدا من الكراهية المتبادلة بين العرب وإسرائيل، ومزيدا من التراجع لقوى السلام والحوار في المنطقة، وفي المقابل مزيدا من الدعم لقوى العنف والتطرف التي تمثل بيئة الحروب تربة خصبة لنموها وترعرعها، المأمول أن تدرك إسرائيل عبر تجاربها في فلسطين ولبنان أن هناك حدودا لما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه، وأنها لا يمكنها أن تفرض السلام أو تجلبه لشعبها عنوة على جثث الآخرين، وأن تقدم الحرب العربية-الإسرائيلية السادسة في لبنان لإسرائيل آخر الدروس على فشل سياسة القوة وألا تكون بحاجة إلى حرب أخرى قبل أن تستوعب الدرس كاملا.

رسالة حرب لبنان يجب أن تصل إلى القوى الكبرى في العالم أيضا، وتدفعها إلى العمل بجد من أجل منع منطق القوة الإسرائيلي من الاستمرار في هدم كل ما تبقى من أمل في السلام، والعمل على قيادة تحرك كبير وفاعل من أجل إعادة إحياء العملية السلمية وفق مرجعياتها الأصلية المتمثلة في قرارات مجلس الأمن ومبدأ الأرض مقابل السلام، على اعتبار أنها المدخل الوحيد والحصري للتعايش المشترك بين العرب وإسرائيل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات