حماس والانتصار المحفوف بالخسارة

د. بشارة نصار شربل: حماس والانتصار المحفوف بالخسارة

  • 2 يناير 2006

"ليس مهماً أن تنتصر، فالأهم أن تعلم ماذا تفعل بالانتصار". هكذا ربما تشعر حركة "حماس" التي حققت انتصارات مهمة في الانتخابات المحلية الفلسطينية، وهي على وشك أن تجتاح "ديمقراطياً" الانتخابات التشريعية في غزة والضفة الغربية، هذا إذا لم يطرأ ما يؤجلها أو يجعل الاستحقاق "الحماسي" قدراً ليس وشيكاً.

لم يكن من قبيل الصدف أن تشعر الأطراف المعنية بعملية السلام بأن وصول حركة المقاومة الإسلامية المتشددة في قتالها العقائدي مع إسرائيل يثير القلق من احتمال أن يتغير المشهد الفلسطيني السياسي أو بالأحرى أن ينقلب، فيصير الشريك الفتحاوي "الوطني" المتمثل بقيادة محمود عباس ضعيف النفوذ، فيما تبرز إلى المسرح وعبر صناديق الاقتراع قوة تعتبرها واشنطن والأوروبيون على السواء "إرهابية"، كونها تدعو إلى إزالة إسرائيل، وتناصب السياسات الغربية العداء، وتعتبر صراعها مع الدولة العبرية دينياً وعقائدياً قبل أن يكون سياسياً، أو أن نزاعها معها هو نزاع على الوجود وليس على الحدود.

وبغض النظر عن مدى تطابق الأقوال "الحماسية" الأصولية مع وقائع السياسة والقدرة الفعلية على قرن القول بالفعل، فإن العالم الغربي يعتبر ما أحرزه مع السلطة الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات وخلفه أبو مازن، منذ إلغاء البند المتعلق بإزالة إسرائيل في ميثاق منظمة التحرير إنجازاً تم التأسيس عليه للوصول إلى إتفاق أوسلو، وشكّل المنصة "الأخلاقية" التي تم الانطلاق منها على طريق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي الصعب. لذلك سيصعب على الشركاء الدوليين أن يروا في موقع القرار الفلسطيني شريكاً ليس في أولوياته المواءمة بين الواقع الدولي والقناعات السياسية، وليس مستعداً للتخلي عما يعتبره ثوابت عقائدية في مقابل دعم أمريكي وأوروبي مهما كان ضرورياً وحاسماً في العلاقة السلمية أو الاستنزافية مع المحتل الإسرائيلي.

في هذا الإطار لم يكن تهديد الكونجرس الأمريكي بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية إذا شاركت "حماس" في الانتخابات موقفاً عرضياً، مثلما لم يكن مجرد هفوة حديث ممثل الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا عن صعوبة استمرار مساعدات القارة القديمة إذا أمسكت "حماس" بزمام المبادرة. وهي مواقف لا تحل إشكاليتها الذاتية حين تدعم مشاركة الأصوليين الشيعة في السلطة في العراق، أو تتعاطى بواقعية وبقبول مع وجود "حزب الله" اللبناني حليف "حماس" العقائدي والعسكري في البرلمان والحكومة اللبنانيين على السواء.

يثير تطور قوة "حماس" في الشارع الفلسطيني قلقاً غربياً واضحاً مثلما يثير استياء إسرائيلياً كلامياً غير مسبوق؛ يجعل المتطرفين الإسرائيليين سواء في "الليكود" القديم أو في النسخة الجديدة منه، المشكّلة بقيادة شارون في حزب "كاديما"، يهددون بالويل والثبور فيما لو شاركت "حماس" في الانتخابات. لكن ذلك لا ينفي أن حنيناً دفيناً دائم الوجود لدى "ليكود" لرؤية قوة مثل "حماس" في موقع القرار الفلسطيني، مدعم بأدبيات تتحدث عن التسوية الممكنة بين الأطراف الأكثر تشدداً، كونها تذهب بالمطالب الى أقصاها، وتحول دون المزايدات في الشارع، أو تدفع المواجهة إلى ذروة لا سابقة لها لا بد بعدها من تسوية أمر واقع.

يراقب العالم العربي بحذر وبقدر من الاهتمام تطور الوضع السياسي في فلسطين. ويعبر مسؤولون عديدون، في لقاءاتهم غير المعلنة، عن ترقب كبير لرؤية "حماس" تقود التفاوض، وتنزع عن نفسها صفة "النقاء" الكلي في الصراع مع إسرائيل، وتدخل تسوية أو مفاوضات ستحتاج فيها إلى دعم الدول العربية التي تعتبرها مهادنة أو مسالمة مع إسرائيل. ويراهن هؤلاء على تغير في الموقف الأمريكي والأوروبي يصير أكثر قبولاً لدخول "حماس" اللعبة السياسية من بابها العريض بل تسلمها اللعبة. ذلك أن "تورط" الحركة في إمساك القرار سيقودها حتماً إلى إقامة علاقات واقعية مع القوى العربية المؤثرة مهما كانت قريبة من السياسة الأمريكية، مثلما سيقودها إلى التعاطي المباشر مع الراعيين الأمريكي والأوروبي، اللذين سيشكلان الضمانة من أي حملة عسكرية إسرائيلية تتخذ طابعاً إجرامياً حاداً.

لن تكون مشكلة "حماس" فيما لو استولت ديمقراطياً على البرلمان وعلى الحكومة على السواء، في التعاطي مع أطراف خريطة الطريق، فهي ستكون قادرة على مرونة تزاوج بين متطلبات المرحلة والإصرار على المقاومة، لكن التحدي الأكبر سيكون داخلياً وتجاه الشارع الفلسطيني. إذ على "حماس" في حال شكلت أكثرية برلمانية وحكومية أن تجيب على أسئلة خطيرة رفضت إعطاء عرفات وعباس أجوبة عنها، من نوع ضبط فوضى السلاح، والتصرف كسلطة لها وحدها حق القرار وضمان القانون. وإذا كان هذا المنحى سيدخلها حتماً في نزاع مع حركة "فتح" فإنه سيدخلها في إشكالية داخل "حماس" نفسها لن يفيد معها الكلام المزدوج عن ضرورة التصرف من موقع المسؤول الشرعي المنتخب وممارسة حق العمل الثوري المسلح على السواء.

أمام "حماس" لو تسلمت السلطة ضرورة المساكنة مع رئيس "فتحاوي" ومطالب الفلسطينيين المتعلقة ليس فقط بمستقبل السيادة الوطنية والانسحاب والمستوطنات وجدار العزل والقدس، بل أمامها مطالب حياتية ملحة تتعلق بالبطالة المستشرية والاقتصاد المتراجع والفساد الذي يتحدث عنه كل لسان، وهي جوهرية ولا تمكن تغطيتها بالخطاب التعبوي المعادي للاحتلال والمؤامرة.

 ربما من المرات النادرة التي يكون فيها الانتصار المحتوم لطرف سياسي مؤشراً إلى كارثة محتملة لهذا الطرف. فــ "حماس" تعودت على رفض ما يطرحه الآخرون، وعلى الانتعاش بالخطاب المتشدد على ضفاف الخطاب الواقعي المهادن لـ "فتح" و"السلطة"، تعودت على المعارضة التي تعفيها من كامل المسؤولية. وسيكون عليها فيما لو شكلت الأكثرية أن تصير سلطة تنتظر مزايدة الآخرين، وهؤلاء لن يكونوا "الجهاد" التي تضعها خارج الانتخابات كاحتياطي استراتيجي، إذ ستكون "فتح" بالمرصاد وستكون الأطراف الفلسطينية المستقلة وبقايا اليسار الفلسطيني في موقع النقد غير السهل للسلوك "الحماسي"./n  /n انتصار "حماس" لن يسهل بالطبع تطبيق خريطة الطريق ولا تقدم العملية السلمية. لكن هل تسير خريطة الطريق إلا بالشروط الإسرائيلية؟ وأين العملية السلمية التي يتحدثون عنها؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات