حماس في الامتحان الصعب

عبدالوهاب بدرخان: حماس في الامتحان الصعب

  • 19 أبريل 2006

<p class="ArabicTransparentNormal"><img src="/ecssr.ae/Images/FeaturedTopics/ft_large/6272_image_palestine.jpg" align="left">في القمة العربية التي انعقدت نهاية مارس/آذار 2006 بالخرطوم، جدد العرب التزامهم مبادرة السلام العربية التي كانوا تبنوها في قمة بيروت عام 2002، لكنهم لم يقولوا ماذا يريدون أن يفعلوا بهذه المبادرة التي رفضتها إسرائيل جملة وتفصيلاً، ولم يأخذها المجتمع الدولي بالأهمية التي تستحقها. وأصبح واضحاً الآن أن هذه المبادرة ربما وصلت متأخرة لأن إسرائيل حسمت أمرها برمي خيار السلام لمصلحة خيار الانفصال، مدعوماً بجدار عازل وانسحابات أحادية الجانب، مرفقة بتفكيك مستوطنات، وتأكيد الاحتفاظ بالقوة بمجمعات استيطانية كبيرة في الضفة الغربية.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">منذ الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في مفاوضات كامب ديفيد في صيف العام 2000، خصوصاً من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، لم تعد عملية السلام قابلة للتفعيل أو للاستئناف. بل لعلها ماتت غداة تلك المفاوضات، على الرغم من محاولة الإنعاش التي بُذلت في مفاوضات طابا حتى أوائل 2001. بعد ذلك أمكن لليمين الإسرائيلي، عبر آرييل شارون، أن يعمل لحل القضايا الشائكة بشكل أحادي الجانب. لذلك أمعن في العنف تمهيداً لفرض تهويد القدس بحيث لا تعود مطروحة في أي مفاوضات قد تضطر إسرائيل إليها، ولاستبعاد ملف حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وكذلك لحسم مسألة الاستيطان تمهيداً لرسم الحدود من دون أي اعتبار لاحتجاجات الفلسطينيين.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">وكانت هجمات 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، ووصمة الإرهاب التي ضُرب بها العرب، بمنزلة هدية غير متوقعة لإسرائيل، التي تصرفت بسرعة لاستغلالها أكبر استغلال. فدفع الفلسطينيون الثمن غالياً جداً، إذ لم يفقدوا فقط مساندة المجتمع الدولي لقضيتهم كقضية شعب تحت الاحتلال، وإنما فقدوا معها حق المقاومة. طبعاً، لا أحد يستطيع سلبهم هذا الحق، إلا أن البلبلة السياسية العسكرية التي رافقت الحرب على الإرهاب غيرت المقاييس والمفاهيم. وكان الأمل بأن يأتي يوم تعود فيه العقول إلى رشدها دولياً، إلا أن طريقة عمل "الهيئة الرباعية" الدولية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، والأمم المتحدة) ومقاربتها للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، تظهران أنها لم تعد تسترشد بقرارات الشرعية الدولية وإنما بخريطة الطريق التي أحاطتها إسرائيل برزمة "فيتوات" أفقدتها فاعليتها.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">وهكذا أصبح العرب إزاء لعبة مقفلة لا أحد مرشح فيها للكسب سوى إسرائيل. كل الأوراق العربية على الطاولة أصبحت بلا قيمة أو غير مؤهلة للتداول. ولعل قمة الخرطوم كشفت أخيراً أن المساهمة الوحيدة التي يتوقعها الفلسطينيون من العرب، وهي الدعم المالي، باتت بدورها محكومة بالشروط، أي إنه لم يعد مسموحاً للعرب أن يعوضوا عن تقصيرهم بالمال، بل يجب أن يخضعوا لما يشبه نظام حصص دولي لا يجوز تخطيه. ولم يطرأ هذا النظام بمناسبة فوز "حماس" في الانتخابات، إلا أن فوزها والشروط التي فرضت عليها أحكمت العمل به. فقبل تلك الانتخابات، ووسط توقعات ببقاء "فتح" في السلطة الفلسطينية، كانت هذه الأخيرة بلغت حد الإفلاس. إذ إن الاجتماع الأخير لمندوبي الدول المانحة، في لندن، أواخر 2005، عاقب السلطة لأنها لم تحقق ما كانت تعهدته بالنسبة إلى المطلب الإسرائيلي-الدولي بضبط الأمن أو "تفكيك بنية الإرهاب" كما يسمونها، ثم إن جولة للرئيس الفلسطيني على بعض العواصم العربية لم تخفف من الخطر الذي كان يستشعره والذي لفت انتباهه إليه خبراء وزارة المال.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">على الرغم من أن تصويت الناخبين الفلسطينيين جاء "منطقياً" للرد على تدهور الأوضاع المعيشية، والسعي إلى محاسبة الفاسدين، والتطلع إلى مواقف أكثر صلابة في المفاوضات والتسويات، فإن هذا التصويت سرعان ما بدا غير قابل للصرف سياسياً واقتصادياً. وهو ما يتأكد يوماً بعد يوم، فالمناطق الفلسطينية دخلت الآن واحداً من أقسى الحصارات التي شهدتها حتى في أحلك أيام الاحتلال. لا شك أنها من الظواهر النادرة في التاريخ أن يتعرض شعب لهذا الإجحاف لأنه انتخب حركة سياسية وضعها المجتمع الدولي على القائمة السوداء. ولعل من النادر أيضاً أن تجتمع الدول الكبرى مع دولة الاحتلال لإحكام هذا الحصار. وفي الوقت نفسه تعلن دولة الاحتلال أنها في صدد فرض الحل الذي ترتئيه على الأرض التي سلبتها ولا تزال قرارات الشرعية الدولية تنكر حقها في التصرف من جانب واحد بتلك الأرض.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">لم تكن نتيجة الانتخابات، لو فازت "فتح"، لِتـُغـّير شيئاً فيما تنويه إسرائيل، إذ إن مخطط "الانفصال" بدأ صيف 2005، ولن تفعل حكومة إيهود أولمرت سوى استكماله. مع ذلك، يُعتبر وجود "حماس" في السلطة فرصة مؤاتية لم تتوقعها إسرائيل، بل هي معطى مساند للمخطط، يدعمه ويبرره ويخفف الانتقادات له. وهذا ما شجع الناخبين الإسرائيليين على مساندة حزب "كاديما" الجديد. وإذ تأكد أولمرت أن الأبواب الدولية قد أوصدت تماماً في وجه "حماس" وحكومتها، كما تأكد أن الضغط الأمريكي وضع حدوداً للقبول العربي لـ "حماس"، فإنه لم يعد يتردد في اعتبار أن خطته لترسيم الحدود ستنفذ في 2008 وليس في 2010 كما كان تعهد سابقاً، موضحاً أنه سيحققه خلال ولاية الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش. أي إن إسرائيل تعد العدة لأمر واقع لا تعود فيه مضطرة لأي تفاوض، بل لن تكون معنية بإقامة دولة فلسطينية، وإذا حدث ذلك فإنها ضامنة مسبقاً وجود حاجز يمنع تواصل الضفة مع القطاع، وكأن التواصل المؤقت بالفيديو بين نواب المنطقتين ووزرائهما هو الوضع الدائم الذي يجب أن يعتاد عليه الفلسطينيون.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">يُظهر الموقف الدولي المتصلب أنه لا يمكن أن يتسامح مع أي عودة إلى الوراء، بمعنى أنه يتفهم مطلب إسرائيل ضرورة اعتراف "حماس" بوجودها، ولا يتفهم بل يرفض المنطق القائل إن ممارسات إسرائيل لا تنمّ عن أي اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. وفيما يستند الموقف الدولي إلى "معطيات أوسلو"، فإنه يتجاهل تجاوزات إسرائيل لهذه المعطيات واستهتارها بها، مبرهناً مرة أخرى أنه لا يحترم سوى موقف القوي. لكن التطورات الأخيرة سلطت الضوء على "انقلاب" جذري تعرضت له القضية الفلسطينية وخيارات حلها. وبلا أي شك لم تعد "خريطة الطريق" صالحة للتعامل معها، حتى لو أصرّت "الرباعية"، في اجتماعها قريباً، على التزامها بها. وإذا استمرت "الرباعية" على النهج نفسه فإنها تؤكد أن مهمتها الوحيدة هي تغطية التحرك الإسرائيلي، من دون أن تسعى أو حتى تهتم بالتلويح بضوء في آخر النفق للفلسطينيين.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">ليس أمام حكومة "حماس" سوى الصمود، لكن الرأي العام الفلسطيني الذي انتخبها قد لا يوافق على هذا النوع من الصمود الذي تدعوه إليه. وبالتالي فإنها معرضة لمواجهة معه، وسيكون امتحاناً صعباً أن تلجأ إلى الشدة والقمع لمجرد إنجاح الصمود وفرضه. فقد أصبح معلوماً ومفهوماً أن الخارج، الدولي وحتى العربي، لا يأخذ بما اختاره الفلسطينيون "ديمقراطياً". وكانت الديمقراطية أحد مطالب إسرائيل للسير في مشروعات "السلام"، لكنها تخطت هذا الخيار لمصلحة الأمر الواقع الأمني. وإذا خطت "حماس" نحو الفشل فمن المؤكد أن نتائج فشلها سترتد وبالاً على الفلسطينيين أيضاً. من شأن "حماس" أن تؤمن بأنها ستنجح، وأن تصرّ على ذلك، لكنها ستضطر في يوم قريب لأن تختار الحدّ من خسائر الشعب. فلا "حماس" ولا "فتح" قادرتان الآن على تحسين ظروف الفلسطينيين، ولا ظروف الحل المتاح أمامهم بعد سلسلة التنازلات والأخطاء التي ارتكبت ولم تستعد لهذه اللحظة التاريخية المجحفة والقاسية التي أعاد فيها الغرب اصطفافه لا ضد "حماس" فحسب وإنما ضد السلطة الفلسطينية وتعزيزاً للتسوية المفروضة أمريكياً وإسرائيلياً.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">ومع قرار الاتحاد الأوروبي وقف كل مساعدة، وقرار الأمم المتحدة فرض قيود على الاتصال السياسي مع حكومة "حماس"، بلغ المجتمع الدولي الحد الأقصى من الإجراءات التي تذكر بالإجراءات التي اتخذت ضد النمسا إثر فوز حزب اليمين المتطرف بزعامة يورغ هايدر. وكان الموقف من هذا الزعيم النمسوي يعني أن سقف التعاطي السياسي لا يحتمل أي عودة إلى أي مظهر من مظاهر النازية أو أفكارها في أوروبا. وإذا جاءت المقارنة فإن المجتمع الدولي يريد إفهام العرب جميعاً قبل "حماس" أن سقف التعامل مع التسوية لا يمكن أن يكون أدنى من الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف (أو "الإرهاب") والتزام الاتفاقيات المبرمة سابقاً.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">هذا الموقف الدولي ظاهره "قانوني"، لكنه في حقيقته سياسي، بل حتى أيديولوجي. فأي نزاع إقليمي مثل العربي-الإسرائيلي لا يمكن حله بمثل هذه الإجراءات المستندة إلى مواقف ظرفية بُنيت بدورها على مفاهيم أحادية الجانب (كمثل تعريف الإرهاب وكأنه يحرم مقاومة الاحتلال). ثم إن الأطراف الدولية نفسها التي تتشدد الآن لم تقم بواجبها لتصحيح مسار التسوية عندما كان خصوم "حماس" في السلطة. لذلك فإن الشد لإرغام "حماس" على الخروج من الحكم ليس مصحوباً بأي تصحيح لمنهج "الرباعية"، أو للسياسة الأمريكية، في التعامل مع الشأن الفلسطيني، وبالتالي فإنه قد ينتهي إلى كارثة.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal">لم تتوصل إسرائيل فقط إلى وضعية "احتلال من دون تكاليف"، وإنما استطاعت أن تفرض شروطاً لجعله "احتلالاً من دون مساعدات خارجية" للبلد الذي تحتله. منتهى الخطأ والإجحاف أن تفقد المواقف الدولية كل توازن أو ملمح عدالة. ومثل هذه الأخطاء هو الذي يمهد عادة لولادة الإرهاب.</p>

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات