حكومة الوحدة الفلسطينية والعراقيل الأمريكية-الإسرائيلية

فتوح هيكل: حكومة الوحدة الفلسطينية والعراقيل الأمريكية-الإسرائيلية

  • 26 فبراير 2007

وضع الاتفاق الذي تم التوقيع عليه، مؤخراً، في مكة المكرمة بين حركتي "فتح" و"حماس" برعاية سعودية، حداً للصراع الدموي غير المسبوق بين الحركتين، والذي أودى بحياة ما لا يقل عن 90 شخصاً، وأثار مخاوف الكثيرين من احتمال انزلاق الفلسطينيين إلى مسار الحرب الأهلية الشاملة. ورغم الترحيب الواسع الذي قوبل به "اتفاق مكة" على مستويي الداخل الفلسطيني والإقليمي العربي وكذلك من جانب بعض القوى الدولية، إلا أنه اصطدم بعقبة الرفض الأمريكي-الإسرائيلي لما تضمنه هذا الاتفاق، لاسيما ما يتعلق منه بتشكيل حكومة وحدة وطنية ترأسها حركة حماس، الأمر الذي يهدد بإفشال هذه الحكومة ومواصلة الحصار المفروض عليها وعلى الفلسطينيين بشكل عام.

 فبخلاف بعض التوقعات المتفائلة التي رأت في توقيع "اتفاق مكة" وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية فرصة لانتزاع الاعتراف الدولي بهذه الحكومة وكسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، عملت الولايات المتحدة وإسرائيل على وضع العراقيل أمام تطبيق هذا الاتفاق باعتبار أنه يصب في مصلحة حركة "حماس" ويمنحها الشرعية من دون أن تقدم التزاماً صريحاً بتغيير مواقفها السياسية المعادية لإسرائيل، فرئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود أولمرت" أكد في البداية أن حكومته لا ترفض ولا تقبل اتفاق مكة لكنها تطالب الحكومة الفلسطينية بأن تقبل بشكل لا يقبل التأويل شروط اللجنة الرباعية، وهي الاعتراف بإسرائيل ونبذ ما يعرف بالعنف والإرهاب والاعتراف بالاتفاقات الموقعة معها، إلا أنه قام بشن حملة دبلوماسية لإقناع روسيا والدول الأوروبية بعدم إحداث أي تغيير في مواقفهم من هذه الحكومة قبل أن تلبي شروط الرباعية، في الوقت الذي اقترح فيه رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست "تساحي هنغبي" القيام بترجمة ميثاق حركة حماس الذي يدعو إلى إبادة إسرائيل وتوزيعه على حكومات الدول المختلفة من أجل دفعها لمواصلة مواقفها المتشددة من الحركة وعدم شطب اسمها من قائمة المنظمات الإرهابية.

 كما صبت إسرائيل جام غضبها على الرئيس الفلسطيني "محمود عباس أبو مازن"، الذي اتهمه "أولمرت" خلال اللقاء الثلاثي الذي ضمهما ووزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" في القدس الغربية يوم 20 فبراير/شباط 2007، بالتحالف مع "حماس" ضد إسرائيل، وطالبه بعد مشاركة حركة "فتح" في الحكومة الجديدة مع "حماس"، فيما لوح بعض المسؤولين الإسرائيليين بإمكانية توسيع الحصار ليشمل "أبو مازن" نفسه بعد أن كان مقتصراً على حكومة "حماس".

 الموقف الأمريكي لم يختلف بطبيعة الحال عن نظيره الإسرائيلي؛ حيث أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن "أولمرت" و"بوش" اتفقا على مقاطعة حكومة الوحدة الفلسطينية ما لم تلب الشروط الدولية، وهو ما شككت فيه "رايس" التي قالت إنها لم تر شيئاً يشير إلى أن هذه الحكومة ستلبي الشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية لرفع المقاطعة عنها. كما مارست الولايات المتحدة ضغوطها على "فتح" والرئيس "أبو مازن" لمنعهما من التقارب مع "حماس" أو الاشتراك معها في حكومة وحدة لا تعترف بإسرائيل؛ حيث هددت "رايس" بأن خطط تقديم مبلغ 86 مليون دولار لتدريب وتجهيز أجهزة الأمن الخاضعة لعباس يمكن أن تتوقف بسبب اتفاق حكومة الوحدة الوطنية، فيما أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن أركان الإدارة الأمريكية غاضبون جداً من "أبو مازن"، لإقدامه على التوصل لاتفاق مكة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة طلبت من الرئيس الفلسطيني عشية سفره إلى مكة معارضة تشكيل أي حكومة لا تعترف بإسرائيل، ومعارضة أن يقف على رأس الحكومة شخص من "حماس"!.

 غير أن الإدارة الأمريكية بدت مرتبكة بشأن كيفية التعامل مع الحكومة الفلسطينية المزمع تشكيلها، فبينما أكد بعض مسؤوليها أن الولايات المتحدة لن تتعامل مع هذه الحكومة بشكل كامل، ذكر آخرون أن واشنطن ستتعامل فقط مع الوزراء الذين لا ينتمون إلى حماس، فيما أشارت تقارير إلى أن واشنطن ستتعامل مع هذه الحكومة كما كانت تتعامل مع الحكومة اللبنانية قبل الأزمة الأخيرة؛ حيث كانت تستثني وزراء حزب الله من أية اتصالات، في حين لم تتأثر باقي مكونات الحكومة من هذا الموقف. أما بالنسبة للرئيس "أبو مازن" فرغم الغضب الأمريكي منه بسبب توقيع هذا الاتفاق، إلا أنه يظل، كما أشارت بعض المصادر الأمريكية، "الحصان الوحيد" الموجود حالياً في الساحة، وأفضل الخيارات المتاحة أمام واشنطن، وبالتالي فمن غير المتوقع أن تشمله بسياسة الحصار والمقاطعة مثلما فعلت مع الرئيس الراحل "ياسر عرفات".

 لاشك أن الرئيس "أبو مازن" يجد نفسه حالياً في موقف صعب، فإذا خضع للضغوط الأمريكية والإسرائيلية وضغط على "حماس" للقبول بالشروط الدولية، فإنه سيظهر أمام الشعب الفلسطيني وكأنه يعمل ضد الوفاق والوطني ويهدد بفقدان مصداقيته الداخلية وباحتمال جر الفلسطينيين إلى الاقتتال الداخلي مرة أخرى، وإذا أصر على الالتزام بما جاء في "اتفاق مكة" ومضى قدماً في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية مع "حماس"، فإنه قد يعرض نفسه للعقاب الأمريكي-الإسرائيلي ويصبح مشمولاً بالحصار المفروض على "حماس". ويبدو أن "أبو مازن" قد اختار البديل الثاني باعتباره أقل تكلفة ومخاطرة؛ حيث أكد خلال اللقاء الثلاثي مع "أولمرت" و"رايس" أنه لن يتراجع عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتبر أن هذه الحكومة هي الضمانة الوحيدة لصيانة الجبهة الداخلية الفلسطينية، ولا شأن لإسرائيل بها، بل واتهم "أولمرت" بمحاولة جر الفلسطينيين إلى حرب أهلية.

 بطبيعة الحال لا يهم الإسرائيليين أو الأمريكيين الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية الفلسطينية، فهم على العكس لا يريدون هذه الوحدة، ويعملون بمختلف الأساليب على شق الصف الفلسطيني وإثارة الخلافات بين الفلسطينيين بهدف إضعاف موقفهم وتسهيل مهمة تصفية القضية الفلسطينية، فلم تستطع إسرائيل إخفاء ارتياحها لرؤية الاقتتال الداخلي الذي حدث طيلة الأسابيع التي سبقت توقيع "اتفاق مكة"، وحاولت استغلال الانشغال الفلسطيني بهذا الاقتتال في تنفيذ مخططها لاستهداف الأقصى المبارك، فيما حاولت الإدارة الأمريكية صب مزيد من الزيت على النار المشتعلة من خلال الإعلان عن تقديم دعم عسكري لقوات الأمن التابعة للرئيس "أبو مازن" لمواجهة القوات التنفيذية التابعة لحركة "حماس"!.

 ما يبعث على التفاؤل هو الالتفاف غير المسبوق من جانب مختلف فصائل الشعب الفلسطيني حول الرئيس "أبو مازن" في مواجهة الضغوط القوية التي يتعرض لها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت حركة "حماس" وقوفها إلى جانب "أبو مازن" وأكدت رفضها لسياسة الابتزاز التي تمارس على السلطة الفلسطينية، كما أبدى كوادر وقادة حركة "فتح" ارتياحهم للموقف الذي أبداه "أبو مازن" خلال اللقاء الثلاثي ورفضه للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وأبدوا استعدادهم لتحمل تبعات التمسك بقرار تشكيل حكومة وحدة وطنية حتى لو كانت تعرضهم للحصار، كما أعلنت الفصائل والقوى الأخرى دعمها لموقف "أبو مازن".

 ويعتبر قطاع واسع من الفلسطينيين والمحللين أن الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية أهم كثيراً بالنسبة لحركة "فتح" والرئيس "أبو مازن" من أي عامل آخر، على أساس أن إنجاز هذه الوحدة سيدعم موقف الرئيس الداخلي ويجعله يقدم نفسه للعالم كقائد للشعب الفلسطيني يحظى بالإجماع الداخلي، وهذا ما لا يمكن لأحد تجاهله حتى الإدارة الأمريكية، كما أن الالتزام باتفاق مكة، الذي يحظى بدعم إقليمي مهم من جانب حلفاء واشنطن العرب، كالسعودية ومصر والأردن، سيعزز من موقف "أبو مازن" حتى لو قررت إسرائيل مقاطعته. كما يرى البعض من هؤلاء أن استجابة "أبو مازن" للمطالب الأمريكية والإسرائيلية لن تؤدي إلى تحقيق أي تقدم على مسار التسوية السلمية، مثلما تزعم واشنطن وتل أبيب، فـ "أولمرت" كان سيتجنب الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين في مختلف الأحوال، سواء كانت هناك حكومة وحدة أو لم تكن، وبالتالي فإن الاستجابة لتلك المطالب لم تكن تؤدي إلى شيء إلا عودة الاقتتال الفلسطيني.

 لا شك أن الموقف الأولي المعارض الذي أبدته الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه "اتفاق مكة" والعراقيل التي تضعانها أمام جهود تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية، من شأنه أن يعيد الأمور مرة أخرى إلى نقطة الصفر؛ بحيث تستمر المقاطعة الدولية لحكومة الوحدة الفلسطينية القادمة، وهو أمر بات مرجحاً بعد تأكيد اللجنة الرباعية الدولية عقب اجتماعها الأخير يوم 21 فبراير/شباط 2007، ضرورة تلبية الحكومة الفلسطينية القادمة لشروطها باعتبارها متطلبات سابقة لإعادة تقديم الدعم الخارجي للفلسطينيين، وهو ما يتطلب تحركاً عربياً جاداً لتسويق "اتفاق مكة"، وإقناع المجتمع الدولي بإنهاء مقاطعته للحكومة الفلسطينية الجديدة، وقبل ذلك تطبيق القرار الذي توصلت إليه الدول العربية العام الماضي بكسر الحظر المفروض على الفلسطينيين، مع العمل بشكل موازٍ على سحب الملف الفلسطيني من اللجنة الرباعية الدولية وإعادته للأمم المتحدة بعد أن ثبت خضوع هذه اللجنة للإرادة الأمريكية ومن ثم الإسرائيلية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات