توجهات تسلُّح الجيش الإسرائيلي في ضوء دروس الحرب مع حزب الله

إبراهيم عبد الكريم: توجهات تسلُّح الجيش الإسرائيلي في ضوء دروس الحرب مع حزب الله

  • 18 ديسمبر 2006

درجت إسرائيل على البحث عن طرق متعددة لمعالجة مشكلاتها الأمنية.. وبعد حربها الأخيرة مع حزب الله، أٌعطي هذا الأمر اهتماماً أكبر، بهدف ترميم التآكل الذي طرأ على جيشها، ورفع مستوى جاهزيته وإعداده لأي معركة مستقبلية مفترضة. وبدأت بالفعل عمليات استكمال الجاهزية العسكرية، متضمنة توجُّهات واضحة لتسليح الجيش، بالاستفادة من الدروس والنتائج التي أفرزتها تلك الحرب.

وانسجاماً مع ذلك، خصصت الحكومة الإسرائيلية ميزانية أمنية (هي الأكبر منذ إنشاء الدولة) بلغت ما يعادل نحو 12.2 مليار دولار (نحو 18.6% من إجمالي الميزانية الإسرائيلية لعام 2007)، فيما طلب وزير الدفاع "عامير بيرتس" ميزانية إضافية للسنوات الثلاث القادمة بنحو 4.5 مليار دولار، تضاف إلى نصف مليار دولار صادق عليه الكونغرس الأمريكي لمشاريع أمنية مشتركة مع إسرائيل.

ولوحظ – من الشهادة التي قدمها رئيس إدارة المشاريع والخطط في وزارة الدفاع "شموئيل كيرن" أمام لجنة فينوغراد(الخاصة بالتحقيق في الحرب) – أن توجهات التسلح الإسرائيلي الجديد ستشمل مختلف أذرع الجيش، لاسيما تلك التي سُجلت فيها إخفاقات محددة إبان الحرب.

ففي المجال الاستخباراتي؛ وعلى أمل تلافي القصور بشأن المعلومات عن حزب الله وتحليلها، حصل سلاح الجو الإسرائيلي، بعد نحو شهر من توقف الحرب، على طائرة تجسس حديثة أخرى (من نوع عيتيم) تستخدم للإنذار المبكر والمراقبة الجوية. وقررت شعبة الاستخبارات العسكرية إعداد "وسائط استخبارية" كان نقصها ملموساً أثناء الحرب، فيما أفصح نائب رئيس الحكومة "شيمون بيريس" عن رغبة حكومته في استغلال الإمكانيات الكامنة في التكنولوجيا الراقية (High-Tech)، كاشفاً عن بعض التطويرات السرية التي تعكف طواقم مختارة (من "جهاز الأمن" والأكاديميا ومؤسسات "هاي تك") على بلورتها، ومنها: منظومة أجهزة استشعار صغيرة (تسمى: درر الحكمة) لنشرها في أرض العدو، وإنسان آلي صغير ودقيق جداً (يسمى: الدبور التجسسي) مزود بمحرك صغير يستطيع العمل كطائرة صغيرة مسيرة دون طيار (UAV) والتسلل إلى أزقة ضيقة في أرض العدو للتشويش على الاتصالات وتصوير أهداف وقتل مسلحين، وأجهزة استشعار ضد "الانتحاريين" لإحباط مهمتهم. وحسب الخطة، من المقرر استكمال صنع "النموذج الأول" لكل وسيلة خلال نحو ثلاث سنوات.

ووضعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مشاريع تصل كلفتها إلى 5 مليارات دولار لتطوير شبكة حماية من الصواريخ، ومن ضمنها تطوير صاروخ "حيتس" (السهمArrow) الذي تصل كلفته إلى ملياري دولار، تحت عنوان "إغلاق سماء الدولة إغلاقاً تاماً" بوجه جميع التهديدات الصاروخية، ابتداءً من القسام والكاتيوشا، مروراً بصواريخ يبلغ مداها 300 و500 كم، وانتهاء بصواريخ شهاب الإيرانية ذات المدى 1300 و2000 كم. وقد جرى التركيز في هذا الإطار على مواجهة الصواريخ قصيرة المدى؛ حيث أمر وزير الدفاع "عامير بيرتس" قيادة "جهاز الأمن" بإعداد تصورات لهذا الغرض. وتنفيذاً لذلك، بدأت دراسة ثلاثة مشاريع رئيسة؛ أحدها أمريكي، والثاني للصناعات الجوية الإسرائيلية، والثالث لسلطة تطوير الوسائل القتالية "رفائيل"، فيما قررت هيئة الأركان تطوير نظام إسقاط صواريخ من النوع الذي أطلق على حيفا وغيرها، وإنجاز النموذج الأول منه خلال ثلاث سنوات. وبدأت الصناعة العسكرية الإسرائيلية (تاعس) تطوير صاروخ (باسم: السور السحري) لاعتراض صواريخ قصيرة المدى، وأعدت خططاً لإنجازه خلال عامين.

كما بدأت مؤسستان إسرائيليتان(دافيدز شيلد وماجيك شيلد) تطوير أنظمة صواريخ مصغرة لإسقاط الصواريخ قصيرة المدى، فيما تفحص قيادة الجيش نظام "ناوتيلوس" (Nautilus)، الذي صنعته شركة T.R.W الأمريكية بالتعاون مع شركات إسرائيلية، لاعتراض صواريخ الكاتيوشا، ويسمى "نظام الليزر التكتيكي المتفوق" (THEL)، وذلك بعد توقف العمل بتطويره قبل الحرب في لبنان بأشهر عدة، بسبب وقف الجيش الأميركي تمويله(بعدما أنفق عليه بالاشتراك مع إسرائيل نحو 400 مليون خلال 10 سنوات). كما فحصت وزارة الدفاع إمكانية استيراد أجهزة تنتجها شركة "نورثروب غرومان" (Northrop Grumman) الأمريكية باسم Skyguard (حارس السماء) وهي أنظمة ليزرية مضادة للصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وفي حال تم اعتمادها، يمكن نصبها في البلاد خلال 18 شهراً. وأبدت الوزارة اهتمامها كذلك بنظام تعتزم شركة "لوكهيد مارتين" (Lockheed Martin) الأمريكية إنتاجه باسم Skyshield (درع السماء) مضاد للصواريخ قصيرة المدى وللطائرات والمروحيات والطائرات الصغيرة من دون طيار التي تحلق على ارتفاعات منخفضة؛ حيث تنشطر كل قذيفة يطلقها هذا النظام إلى 152 قذيفة صغيرة، تخترق الرأس الحربي للصاروخ المعادي.

وفي ميدان المدرعات، بينت الحرب أن دبابة "مركافا" (بتدريعها الأقوى في العالم) لم تكن محصنة أمام صواريخ حزب الله؛ حيث أصيبت بهذه الصواريخ 47 دبابة(حسب المصادر الإسرائيلية). لهذا، قرر الجيش، بعد توقف الحرب، إغلاق خط إنتاج الدبابة "مركافا" لمدة أربع سنوات. ولكنه عاد بعد بضعة أسابيع وقرر الاستمرار بإنتاجها، في ظل حاجته لوجبة من عشرات الدبابات المتطورة سنوياً، كبديل للدبابات القديمة التي ستخرج من الخدمة أو المعرضة للتدمير، فضلاً عن اعتماد تدبير جديد – على ما يبدو – للحماية من الصواريخ المضادة للدروع، وهو التزود بمعدات تسمى "معطف الرياح"، كانت "رفائيل" قد عرضتها على الجيش قبل سنوات، ولكنه رفضها لأسباب مالية (إذ تبلغ كلفة معدات الدبابة الواحدة نحو300 ألف دولار). وبعد الحرب، تقرر التزود بهذه المعدات.

وفي مجال الصواريخ والقذائف، حدّدت القوات البرية الإسرائيلية أن بعض صواريخها لم تكن ملائمة للتعامل مع مقاتلي حزب الله، لأنها مزودة برؤوس حربية ضد الآليات المدرعة؛ لذا بدأ الجيش إعداد خطة عمل واسعة تمهيداً لتطوير رؤوس حربية جديدة للصواريخ "الذكية" لإصابة الأفراد والتحصينات. ومما يذكر أن صحيفة "نيويورك تايمز"، كشفت خلال الأسبوع الثاني من الحرب، أنَّ إدارة الرئيس بوش صادقت، بخطوة سريعة، على منح إسرائيل  100 "قنبلة ذكية"، تزن الواحدة منها 1.5 طن، موجهة بالأقمار الصناعية (من نوعJDAM)، وقنابل خارقة للتحصينات (من نوع GBU-28) لاستعمالها لتدمير خنادق حزب الله، بعدما أخفق الجيش الإسرائيلي بتحقيق هدفه. وصادق الكونغرس مؤخراً على مضاعفة العتاد العسكري الذي تحتفظ به الولايات المتحدة في مخازن الطوارئ في إسرائيل، بهدف تعويض خسائرها خلال حرب لبنان، وهو عتاد يتيح الاتفاق بين الجانبين لإسرائيل استخدامه، كما حدث خلال هذه الحرب. وتقدر قيمته بنحو 100 مليون دولار، ستتضاعف لتصل إلى 200 مليون دولار في السنة المقبلة.

وفيما يتعلق بسلاح الجو، وفي ضوء ما كشفت عنه الحرب من صعوبة استخدام المروحيات لإيصال المؤن للجنود في مواقع متقدمة خطرة، تعكف الصناعة الجوية الإسرائيلية على إعداد مشروع طائرة مروحية عادية من دون طيار، لتنفيذ مهمات متنوعة، بدلاً من طائرة مروحية بطيار. وبينت تقارير متخصصة أن الجيش يعتزم القيام بتطوير أجهزة حديثة إضافية للطائرات المقاتلة وللطائرات المسيرة من دون طيار، للتصوير والتدمير.

وفي سلاح البحرية، يدرس الإسرائيليون إمكانية شراء سفينة حربية جديدة متعددة الأغراض من نوع LCS، من إنتاج شركة "لوكهيد مارتين"، فضلاً عن تعزيز قدرات السفن بوسائط استكشاف ومواجهة، بعد إخفاق سفينة ساعر- 5 (حانيت) باكتشاف الصاروخ ( C802) الذي أطلقه حزب الله عليها قبالة ساحل بيروت، وغيره من الصواريخ التي أطلقت على القطع البحرية الإسرائيلية.

وبفعل وابل صواريخ الكاتيوشا التي سقطت على إسرائيل، تنبهت قيادة الجيش إلى سيناريو آخر، يتضمن التصدي لصواريخ تطلق من سورية وإيران، مع الحاجة لبلوغ أهداف استراتيجية على مسافات أبعد من لبنان. وظهرت دعوات إلى بلورة "نظرية قتالية جديدة" للجيش الإسرائيلي، لمواجهة "التهديد الإيراني"، تنطوي على تطوير "قدرة استراتيجية"، تكون برأيهم الرد الوحيد الملائم في حال امتلكت إيران سلاحاً نووياً. ولهذا وقعت إسرائيل عقداً مع ألمانيا (في 22/8/2006) لشراء غواصتين من نوع دولفين، يمكنهما حمل رؤوس نووية (ستضافان إلى ثلاث غواصات من هذا النوع تمتلكها إسرائيل، اثنتين منها هدية من ألمانيا لقاء ما أسمته "تعقل إسرائيل في حرب الخليج الثانية"، والثالثة ابتاعتها إسرائيل بسعر مخفض هو 350 مليون دولار). كما يدرس سلاح الجو إمكانية شراء 100 طائرة مقاتلة من نوع F35، بكلفة 5 مليارات دولار، لتحل تدريجياً محل طائرات F1. هذا بالإضافة إلى امتلاك المزيد من "أسلحة الردع" أو الحسم.

ماذا يعني كل هذا ونظائره؟!.. غني عن البيان أن استكمال بناء القدرات الإسرائيلية، برغم ما يرتبه من أعباء اقتصادية ضخمة، يرمي إلى تسخيرها صراعياً وزيادة تفوق إسرائيل العسكري في المنطقة، وهو ما يستدعي أن يثير اهتمام المعنيين لدينا بإدارة الصراع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات