تنامي النفوذ الصيني في أفريقيا

تنامي النفوذ الصيني في أفريقيا

  • 13 نوفمبر 2006

يصف المحللون السياسيون المنتدى الوزاري الثالث حول التعاون الصيني-الأفريقي (FOCAC)، بأنه "علامة بارزة" على ظهور الصين كقوة كبرى في المسرح العالمي؛ ففي إطار هذا المنتدى، تجمعت يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 وفود من 48 دولة أفريقية – بينها 41 رئيس دولة وحكومة – في مؤتمر قمة لمدة يومين في بكين، وصفته أجهزة الإعلام العالمية بأنه أعطى الصين وضعاً مميزاً في مواجهة الغرب ونفوذاً أكبر في العالم النامي.

وقد أكسب وجود هذا العدد الكبير من القادة الأفارقة هذه القمة أهمية خاصة، وفتح مجالاً واسعاً لتعزيز التعاون بين الجانبين وتوقيع العديد من الاتفاقيات؛ فمع حلول نهاية القمة كان القادة الصينيون والأفارقة قد وقعوا صفقات بلغت قيمتها 1.9 بليون دولار أمريكي، وتوجت هذه الخطوة بتعهد الرئيس الصيني "هو جيناتو" بتقديم 5 بلايين دولار أمريكي على شكل قروض وائتمانات، فضلاً عن مضاعفة المساعدات لأفريقيا لتصل إلى 10 بلايين دولار أمريكي بحلول عام 2010.

وتضمنت هذه الصفقات إنشاء مصنع لإنتاج الألمونيوم في مصر بقيمة 938 مليون دولار أمريكي، ومشروع لإنتاج وتصنيع النحاس في زامبيا بقيمة 300 مليون دولار أمريكي، وآخر لإعادة تأهيل طريق سريع في نيجيريا بقيمة 200 مليون دولار، وصفقات أخرى في كل من جنوب أفريقيا وكينيا والسودان وغانا وجزر كاب فيردي.

كما أعلن الطرفين في بيان مشترك عن رغبتهما في إقامة شراكة استراتيجية بينهما، ووضع خطة عمل تفصيلية حول تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والعلاقات الدولية والتنمية الاجتماعية. كما دعا البيان المشترك إلى إصلاح الأمم المتحدة، ومنح أفريقيا مقعداً دائماً في مجلس الأمن.

الغريب في الأمر أنه لم يتم توقيع أي صفقات مهمة حول الطاقة في أفريقيا أثناء المؤتمر، لكن البعض يعتبرون أن حسن النوايا والرغبة في تعزيز التعاون المشترك التي برزت خلال المؤتمر، سوف تسهل وصول الصين إلى احتياطات أفريقيا من الطاقة إذا أرادت ذلك. ويبدو أن الصين، التي يصل احتياطيها من النقد الأجنبي إلى تريليون دولار أمريكي ويتزايد تعطشها الشديد للموارد الطبيعية، أرادت إنفاق بعض هذه المبالغ لتأمين مداخل للوصول إلى مصادر النفط والغاز والنحاس والفحم والثروات المعدنية الأخرى في أفريقيا في مرحلة لاحقة.

أما بالنسبة لأفريقيا، فإن هناك حوافز عدة تدفعها باتجاه تعزيز التعاون مع الصين؛ فالتجارة بين الطرفين تتيح للقارة السمراء الحصول على بضائع متنوعة وبأسعار تنافسية في متناول الجميع، فضلا عن توفير المزيد من الاستثمارات التي تحتاجها لاقتصادياتها. كما ستتاح لها الفرصة لتنويع علاقاتها الاقتصادية مع العالم، وتحقيق أحلامها في "النهضة الاقتصادية"، خاصة أن المساعدات الصينية يتم منحها من دون ضغوط سياسية.

لقد احتج بعض الاقتصاديين الأفارقة، بأن الغرب يتعامل مع معظم دول جنوب الصحراء كفقراء وليس كشركاء تجاريين محتملين. وينظرون إلى المقاربة الصينية في هذا السياق على أنها مختلفة؛ لأنها لا تقوم فقط على منح قروض ومساعدات خيرية، ولكن تتم وفق شروط تحقق المصلحة المشتركة في التجارة والأعمال. كما يرحب بعض هؤلاء الاقتصاديين بالشراكة الاقتصادية مع الصين؛ لأنهم يريدون أن يتعلموا من النموذج التنموي الصيني، ويعرفون الطرق التي اتبعتها الصين في تحقيق هذا الانتقال الناجح من أمة نامية إلى قوة اقتصادية كبرى.

 بيد أن هناك بعض الشكوك حول ما إذا كانت الشراكة الاقتصادية للعملاق الأسيوي ستركز فقط على تأمين مصادر الطاقة أم ستشمل أيضاً توفير الاحتياجات التنموية لأفريقيا، خاصة أن الصين، التي تحتل المركز الرابع كأكبر قوة اقتصادية في العالم وثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم، تستورد ثلث احتياجاتها من النفط الخام من أفريقيا، لاسيما أنجولا التي تعد أكبر مورديها. وهنا يرى بعض المراقبين أن هذه الشراكة قد لا تؤثر كثيراً على الأبعاد التنموية؛ لأن هذه العلاقة الناشئة، لا تقوم على أسس متساوية، وأن أفريقيا قد تنتهي بأن تصبح مشترياً للبضائع الصينية على حساب تطوير صناعتها الثانوية، خاصة أن الصين لن تهتم كثيراً بتدريب وتطوير القوى العاملة الأفريقية، كما هو الحال مع القوى العاملة الصينية.

وقد أدركت الصين هذا النقد الموجه لها، ويبدو أنها بدأت تستجيب لهذه المخاوف من جانب الأفارقة؛ حيث تعهدت مثلاً بأن تقوم طوعاً بإيقاف كافة صادرات الملابس إلى جنوب أفريقيا التي احتجت بأن المنتجات الصينية تقف في وجه صناعة الملابس المحلية. كما قررت استخدام المواطنين الأفارقة في مشاريعها بالقارة، والتي كان يعمل فيها سابقاً عمال صينيون فقط.

والأهم من ذلك حازت الصين على سمعة طيبة في أفريقيا بتنازلها عن ديون بلغت قيمتها 1.3 بليون دولار أمريكي للعديد من الدول الأفريقية. كما قامت بتدريب ما يزيد على 10.000 مهني أفريقي في مختلف القطاعات الاقتصادية والأمنية، وألغت التعرفة الجمركية على العديد من المنتجات المصدرة إلى الصين من دول جنوب الصحراء. كما قدمت الحكومة الصينية، من خلال الصندوق الأفريقي لتنمية الموارد البشرية، ما يزيد على ألف منحة دراسية سنوياً للأفارقة للدراسة في الصين، وأرسلت أكثر من 1600 طبيب صيني للعمل في المناطق الريفية في أفريقيا، كما أرسلت عدة مئات من المدرسين الصينين للعمل في المدارس الأفريقية. وكان القادة والاستراتيجيون الأفارقة سعداء بصفة خاصة باهتمام الصين بتطوير البنية الأساسية في العديد من الدول الأفريقية، والتي أبدى القليل من الغربيين اهتماماً بها. كما قال المسؤولون الصينيون بأنهم يتفهمون قلق الأفارقة من اختلال الميزان التجاري، وأنهم سوف يعملون مع الدول الأفريقية على حل هذه المسائل.

غير أن أكثر الانتقادات التي تعرضت لها سياسة الصين في أفريقيا حدة، تمثلت في عدم اهتمامها بقضايا الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في تعاملاتها مع العديد من شركائها التجاريين في القارة؛ حيث يزعم معظم المنتقدين من الغرب بأن تجارة الصين غير المشروطة مع العديد من الحكومات الاستبدادية في أفريقيا ستؤدي إلى تعزيز الأنظمة غير الديمقراطية، ويشيرون على وجه التحديد إلى دعم الصين لحكومتي السودان وزيمبابوي اللتين تعرضتا لنقد دولي واسع بسبب الفساد وانتهاكاتهما المزعومة لحقوق الإنسان.

وقد انتقد العديد من السياسيين والمسؤولين الأفارقة هذه المخاوف الغربية، قائلين إن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين اعتادوا أن يدعموا ويساندوا الأنظمة الدكتاتورية في أفريقيا في الماضي، لذا عليهم ألا يتخذوا مثل هذا الموقف. كما يرى هؤلاء أن الروابط الصينية-الأفريقية القوية ستساعد على محاربة الفقر في القارة، والذي يعد بدوره أحد الأسباب الأساسية التي تقف وراء الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان فيها، معتبرين أن الحق في التنمية هو في حد ذاته حق إنساني مهم لأفريقيا.

وأوضحت الصين أنها لا ترغب في الترويج لنموذجها التنموي في أفريقيا. مؤكدة أنها تنأى بنفسها عن دائماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأنها تحترم اختيار دول القارة لمقارباتها نحو التنمية. كما أكدت بكين أكثر من مرة أنها تعطي الأوضاع الوطنية أولوية أولى عند صياغة سياساتها.

كما تعرضت الصين لانتقادات أخرى بدعوى أنها تضر بالمساعي الإنسانية للمؤسسات الدولية في القارة مثل صندوق النقد الدولي، فعلى سبيل المثال فإن دولة مثل أنجولا التي تعاني من ويلات الحرب رفضت قرضاً من صندوق النقد الدولي لصالح عرض من الصين لقروض وائتمانات مدعومة بالنفط ومصحوبة بالحد الأدنى من الشروط، ليس لشيء إلا لأن هذه الدولة (أنجولا) تحاول أن تتفادى تحقيقات صندوق النقد الدولي الرامية إلى الحد من الفساد، فيما حظيت الصين بالثناء والتقدير لتطرقها لاحتياجات إعادة البناء في القارة دون الالتزام بهذه المعايير.

ويزعم بعض المعلقين الغربيين أيضاً، أن النفوذ الصيني المتنامي في أفريقيا يعكس طموحاتها الإمبريالية كعملاق أسيوي يصعد في صمت لمنافسة الهيمنة الأمريكية والأوروبية في القارة. إلا أن المسؤولين الصينيين يدحضون هذه المزاعم بشدة، ويشيرون إلى عدم توجيه أي حكومة أو شعب أفريقي اتهامات للصين بممارسة استعمار جديد على القارة، وأن بكين صادقة في تعاملها مع الدول الأفريقية.

لقد بدأت العديد من الدول في القارة الأفريقية تحقيق معدلات نمو جيدة خلال الفترة الماضية تتراوح بين 4 و5 بالمائة، ويعتقد بعض الخبراء الاقتصاديين أن تدخل الصين من خلال المساعدات والاستثمارات في أفريقيا، وتقوية الروابط الصينية-الأفريقية، يمكن أن يدعم من معدلات النمو تلك، وبالتالي لا يجب أن ينظر التدخل الصيني على أنه محاولة لمواجهة النفوذ الغربي، حيث يتعين على أكبر قسمين في البشرية أن يساندا بعضهما للسير في طريق تحقيق التقدم والنهضة الأفريقية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات