تفكيك المستوطنات ومعركة "الصورة"

  • 22 أغسطس 2005

من يتابع ما تبثه وسائل الإعلام المتلفزة وما تنشره الصحافة المقروءة هذه الأيام من صور وتقارير مصورة حول تنفيذ خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، يدرك بوضوح حجم التحدي الذي ينتظر الفلسطينيين لاستعادة زمام المبادرة إعلاميا من الجانب الإسرائيلي الذي يوظف بشكل فاعل وواضح، مدعوماً بتعاطف تقليدي مسبق من جانب كثير من وسائل الإعلام الغربية، عملية الانسحاب هذه في كسب تعاطف الرأي العام العالمي من خلال اللعب على وتر "المعاناة الإنسانية" الناجمة عن مغادرة المستوطنين للبيوت التي يقطنونها، رغم أن هذا الوضع غير الطبيعي كان نتاجا لسياسات إسرائيلية خاطئة على مدار العقود الماضية، ورغم أن المستوطنين يغادرون بيوتهم إلى مخيمات مكيفة تقام بتمويل حكومي ولا تشبه مطلقا مخيمات الفلسطينيين البائسة التي يعيشون فيها على أرضهم في قطاع غزة.

ويلفت بعض المحللين الانتباه إلى أن بعض الفضائيات العربية قد سقطت في فخ الدعاية الإسرائيلية، وبالغت في تصوير المواقف الانفعالية التي رافقت إخلاء المستوطنين اليهود من قطاع غزة، بينما يرى آخرون أن بث هذه المشاهد لم يستهدف تحقيق نوع من التعاطف بقدر ما يؤرخ لحدث تاريخي مفصلي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وفي جميع الأحوال فإن ما يحدث يكرس النظريات القائلة بأن "الصورة" باتت لاعبا محوريا في إدارة الصراع إعلاميا في ظل السطوة المتزايدة لوسائل الإعلام في تشكيل اتجاهات الرأي العام العالمي، خصوصا في الغرب.

 وخلال السنوات الأخيرة من عمر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي تشكلت ملامح صراع جانبي حول كسب معركة الرأي العام العالمي، حيث يدرك الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي أن تشكيل رأي عام مؤيد داخل دولة ما أو مجال جغرافي معين سيسهم من دون شك في توجيه أو صياغة الخطاب السياسي والمواقف التي تتبناها هذه الدول والعواصم أو تلك. وقد سبق للجيش الإسرائيلي أن استعان بشركات علاقات عامة غربية متخصصة للاضطلاع بمهمة تحسين الصورة الذهنية للجنود الإسرائيليين في عيون الرأي العام الغربي خلال ذروة الانتفاضة الفلسطينية الثانية وما رافقها من ممارسات أساءت للجيش الإسرائيلي خارجيا.

وعلى الخلفية السابقة يتضح أن المجال الإعلامي يفرض نفسه كتحد رئيسي يواجه الفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة، حيث يتطلب الأمر تطوير الخطاب الإعلامي الفلسطيني، سواء من حيث تحديد الأهداف وفقا لطبيعة المتلقي، وبناء على المتغيرات الثقافية السائدة لدى الشعوب والجماعات، أو صياغة خطاب إعلامي "ذكي" وحضاري وفعال يمتلك القدرة على مواجهة أدوات الدعاية الإسرائيلية، التي تعتمد تقنيات حديثة في الترويج لأكاذيب تستهدف تشكيل الرأي العام العالمي.

البعض يرى أن "صور" المستوطنين وهم يبكون فيما تجرهم القوات الإسرائيلية بعيدا، وأيضا مشاهد المواجهات المحدودة التي نشبت بين المستوطنين والجنود الإسرائيليين ربما تسحب البساط من تحت أقدام التعاطف العالمي التقليدي مع الفلسطينيين، ولكن الأهم أنها قد تضع المجتمع الدولي تحت ضغط "الصورة" ما يتطلب من الفلسطينيين والعـرب جهـودا كبيـرة للدفـع باتجاه الخطوة التالية للانسحاب من إحياء لـ "خارطة الطريق" وإنعاش عملية السلام بين الجانبين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات