تغير خصائص الأسرة في الإمارات

د. عبدالله العوضي: تغير خصائص الأسرة في الإمارات

  • 18 يوليو 2007

تشهد العائلة في مجتمع الإمارات في الوقت الحاضر تغيّراً وإن بدا بطيئاً إلا أن نتائجه تبرز يوماً بعد يوم، ولعل أبرز مظاهر هذا التغيّر الذي شهدته الأسرة في الفترة الأخير هو ميل أفرادها للترف، والتفكك النسبي للروابط الأسرية في المجتمع، فضلاً عن تغيّر نظرة المواطنين إلى فكرة الزواج، وانصرافهم إلى الزواج من خارج البلاد، والذي يعد بدوره من أخطر الظواهر الاجتماعية في الدولة، ويرجع إلى جملة من الأسباب، أهمها: غلاء مهور المواطنات مقارنة بالأجنبيات؛ حيث إن تكاليف الزواج من الأجنبيات لا يوازي ربع تلك المهور.

كما انعكست الأوضاع الاقتصادية الحديثة في المجتمع الإماراتي أيضاً على نمط الأسرة، التي بدأت تتجه إلى السكن خارج نطاق الأسرة الممتدة، أو العائلة الأكبر، عائلة الزوج أو الزوجة، ولم يعد لأب الزوج أو الأمهات حق التدخل في الشؤون الأسرية التي اعتبرت خصوصية.

من جهة أخرى، ورغم أن مجتمع الإمارات عرف نظام الخدم منذ القدم؛ حيث كان هذا النظام جزءاً من البنية الاجتماعية للنظام الإسلامي منذ ولادته، حتى أن بيت المال كان هو المسؤول عن توفير الخادم أو الخادمة للأسر المحتاجة، وكان لذلك دلالته الواضحة بالنسبة لظاهرة الوجاهة والمكانة الاجتماعية في ذلك الوقت وحتى الآن، إلا أنه وبمرور الأيام، انفلتت الضوابط والكوابح في تحجيم دور الخادم أو الخادمة في الأسرة، حتى أصبح هذا الدور ووجوده من الضرورات القصوى في بعض الأحيان، وعند اختفاء هذا العنصر لسبب أو لآخر قد تحدث بعض الهزات الاجتماعية عند البعض، بشكل أصبح معه الاستغناء عن الخدم من المستحيلات حتى عند دعاة الاستغناء أنفسهم. وزادت هذه المشكلة تعقيداً مع ظهور النفط وتدفق عائداته على المجتمع؛ حيث ازداد الطلب على الخدم بمعدل لم يسبق له مثيل، وأصبح لدى العديد من الأسر عدداً من الخدم والخادمات يفوق أحياناً عدد أفراد الأسرة نفسها.

 وقد أدى الاعتماد التدريجي لربات الأسر على الخادمات الأجنبيات في تدبير شؤون منازلهن إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية والتربوية والسلوكية والأسرية المترتبة على ذلك، لاسيما ما يتعلق منها بالتأثيرات السلبية على النشء وخطورة الجرائم التي ترتكبها هذه الفئة من العمالة الوافدة في حق الأسر التي فتحت لها أبوابها واحتضنتها.

ويرجع سبب انتشار تلك الجرائم إلى العشوائية المتبعة في استقدام واستخدام العمالة الأجنبية، فهذه العمالة لم تخضع يوماً من الأيام للتخطيط لنعرف بالضبط حاجتنا إليها في كل مجال. ومن الأمور المهمة أيضاً التي تساعد على انتشار الجرائم والانحرافات بين هذه الفئة تلك الفوضى السائدة في نظام الكفالات والارتزاق الذي يلجأ إليه ويشجعه بعض المنتفعين من المواطنين على حساب المصلحة العامة.

لم يعد استخدام الخادمات والمربيات شيئاً غير مألوفاً لدى أسر دولة الإمارات العربية المتحدة، ففي إحدى الدراسات وجد أن 9.5% فقط من عينة المواطنين يقررون أن انتشار استخدام المربيات محدود، بينما رأى 5.7% منهم أنه منتشر إلى حد ما، فيما رأت الأغلبية العظمى (84.8%) أنها ظاهرة واسعة الانتشار.

وعادة ما يُنظر إلى هؤلاء الخدم على أنهم غرباء عن هذا المجتمع، وعن قيمه وتقاليده وعاداته، ولكن طبيعة الحياة التي تعيشها الأسرة بشكل عام والمرأة بشكل خاص في الوقت الحاضر فرضت عليهم الاستعانة بهذا العدد الهائل من الخدم للاهتمام بشؤون المنزل والعناية بالأبناء، وهو ما انعكس على النشء الجديد الذي أصيب بداء المربية الأجنبية، التي يتحدد تأثيرها في مجال التنشئة الاجتماعية في مجالين خطيرين؛ الأول: نقل التراث الثقافي الأجنبي للأطفال. والنقل هنا لا يعني التثقيف لعدم مقدرة الطفل أو النشء على التمييز بين تراث وآخر أو بين ثقافة وأخرى. والثاني: التأثير على تكوين ونشأة الشخصية الإماراتية؛ إذ من الطبيعي أن يتأثر الطفل بمربيته إلى حد كبير، ففي الحد الأدنى يملك الطفل حينما يبلغ القدرة على الكلام بلغتين، مما يؤثر على الهوية الحضارية ويهدد بانحسار الهوية العربية عن دولة الإمارات من خلال هذا النشء أولاً، أو على الأقل من الجزء الأكبر منه. وهذا أمر خطير، فإذا كانت اللغة هي الوعاء الأساسي للحضارة، فلا شك أن اللغة العربية تتلقى ضربات قوية في التعامل اليومي في الإمارات، سواء في التخاطب مع فئة خدم المنازل التي استشرت بلا ضابط، وعلى وجه الخصوص عندما يكون هذا التخاطب بين الأطفال ومربياتهم، أو في الأسواق وكافة منافذ الخدمات، فلم يعد غريباً أن يطوع العربي لغته من العربية المهجنة أو المكسرة ليتمكن من التفاهم بسرعة مع بائع أو خادم آسيوي، ويجد المرء أحياناً أن لافتات المحال وغيرها تكتب بألفاظ عربية هي في واقع الأمر ترجمة لفظية عربية لمسميات غير عربية.

لا توجد حتى الآن دراسة شاملة عن جرائم الخدم في دولة الإمارات، ولكن لا يمر علينا يوم واحد إلا ونقرأ في الصحف عناوين تقول على سبيل المثال "ضبط خادمة سرقت مجوهرات مخدومها و26 ألف درهم ولجأت لهاربتين من كفيليهما"، أو "استقالت من الخدمة لدى مخدومها ثم عادت لتسرق مجوهرات بـ 200 ألف درهم".. وهكذا دواليك، ورغم أنه يصعب الحصر في هذا المجال، إلا أننا نستطيع أن نستشف من خلال المتاح من المعلومات اليسيرة المتاحة بأن أحد مخاطر الهروب من الكفيل هو انتشار جريمة السرقة، فعندما يهرب العامل أو الخادم من الكفيل فإنه يعتقد بأن حصوله على فرص عمل أفضل يكون في غاية السهولة ولكنه يفاجأ بعد البحث الطويل وطول المعاناة بأنه لم يجد العمل المناسب الذي كان يبحث عنه، وبالتالي فإنه يخلق لنفسه مشكلة وهي بطالة في مجتمع ذي دخل ميسور، فيؤدي به تفكيره بالتالي للقيام بالسرقة أو السطو أو الاختلاس.

ومن الآثار السلبية أيضاً لظاهرة الخدم، الإخلال بالآداب العامة، فالخادمة أو المربية عندما تهرب من منزل كفيلها ولا تجد عملاً مناسباً لها، فإنها تلجأ إلى فتح باب جديد يدر عليها مالاً كثيراً، وهو ممارسة الدعارة؛ حيث تكون الظروف مهيئة لها للقيام بهذا العمل نتيجة اختلاطها وتواجدها مع أناس لم تألف العيش معهم أو تحت الضغوط التي تمارس عليها. ويشير بعض الباحثين الاجتماعيين إلى أن زيادة نسبة الذكورة بالنسبة للإناث في المجتمع من شأنه أن يولد ميلاً إلى العنف والإنحراف الأخلاقي، وزيادة الشعور بالحرمان وقسوة الحياة، ويرتبط بهذه الظاهرة ارتفاع نسبة الجريمة بين الوافدين.

وهناك آثاراً سلبية أخرى لانتشار ظاهرة العمالة الهاربة مثل حيازة وتعاطي ونشر المخدرات؛ حيث إن الخادم أو العامل الهارب من كفيله قد لا يجد العمل المناسب، وبالتالي فإن نفسه الطماعة والجشعة قد تدفعه للقيام بأي عمل يجني من ورائه كسباً سريعاً، ومن ثم يلجأ إلى بيع وترويج المخدرات، ولا يهمه في هذه الحالة من سيقوم بالشراء، المهم من سيدفع الثمن؛ حيث يقوم هذا الإنسان بإغراء بعض الطلبة صغار السن والتأثير عليهم من خلال الإيحاء لهم بأن تناول هذه المادة فيها رجولة وتمدهم بالقوة والحيوية والنشاط فينساق هذا الشباب وراء هذا الوهم الخادع وتحدث عواقب وخيمة لهذا الشباب فلا يجد نفسه إلا في المصحات وسجون الأحداث أو المستشفيات، ويفقد الوطن بالتالي عنصراً مهماً وفعالاً وهو الإنسان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات