تحركات على قطعة الشطرنج

  • 6 مارس 2005

يحتل المشهد السياسي في الشرق الأوسط صدارة اهتمامات الدوائر السياسية والإعلامية في العالم أجمع، وهناك نوع من الاتفاق بين الخبراء والمراقبين على أن المنطقة تشهد حراكا سياسيا غير مسبوق مع بعض التفاوت الملحوظ في تفسير "الظاهرة" من حيث الدوافع والنتائج. ولكن الملاحظة الأساسية أن رصد ما يحدث على أرض الواقع يبدأ من أفغانستان ويشمل المنطقة العربية جميعها، أي أنه يشمل المجال الجغرافي لما يعرف أمريكيا بـ "الشرق الأوسط الكبير". البعض يرى أن الجانب الأهم في تفشي "عدوى" الديمقراطية أو هبوب "رياح التغيير" أنها تستهدف منطقة فشلت كل المحاولات السابقة في "دمقرطتها"، ولكنها الآن تشهد حراكا بدأ في أفغانستان وطال حتى الآن العراق والأراضي الفلسطينية ولبنان ودولا أخرى عدة. فيما يرى آخرون أن ما يحدث حاليا يصب في سلة نجاح سياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش، وهي سياسات طالما جلبت له ولإدارته النقد في الداخل والخارج بسبـب إصـراره عـلى نـشر الديمقراطيـة في جميع أرجاء ما تسميه إدارته بـ "الشرق الأوسط الكبير"، ويرى أصحاب هذه الرؤية أن "معركة" نشر الديمقراطية -بعد نجاح إرهاصاتها- لم تعد معركة الرئيس بوش فقط بعد أن تبنى الكونجرس مؤخرا مشروع قانون يطالب بخطة عمل محددة في هذا الاتجاه جاعلا من الفكرة ما يشبه هدفا وطنيا بعيد المدى في السياسة الخارجية الأمريكية.

وبغض النظر عن الجدل السائد حول دور السياسة الأمريكية فيما تشهده المنطقة من حراك سياسي واضح لا تخطئه عين المراقب، فإن معالم ما يحدث يستحق الرصد والمتابعة من الدوائر البحثية والأكاديمية للتعرف إلى جوانب الظاهرة ومحاولة استشراف آفاقها وتأثيراتها وانعكاساتها السياسية والاستراتيجية، خصوصا أن هناك من قفز إلى التكهن بأن هذه التطورات ستعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة وأن هذه التطورات ستكون حاسمة في رسم معالم شرق أوسط جديد.

الكثير من التحليلات يرى أن الشرق الأوسط لن يكون بعد الآن صحراء خالية من الديمقراطية، وأن ما يعرف بـ "الموجة الثالثة" أو انتشار الديمقراطية الذي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود في أمريكا اللاتينية ثم في دول الاتحاد السوفيتي السابق يتغلغل بهدوء إلى منطقة الشرق الأوسط. ورغم أن هناك مزيجا من الشكوك والمخاوف والجدل يغلف ما يحدث على أرض الواقع، فإن الأمر الحيوي في هذه المسألة هو أن هذا الحراك هو بالنهاية تطور سياسي صحي سيدفع الجميع إلى تلمس الخطى نحو المستقبل والبحث عن دور وموقع على خارطة الألفية الثالثة، في وقت تتزايد فيه التقارير والتحليلات عن مواقع الدول والقوى الإقليمية والكبرى على خارطة العالم اقتصاديا وسياسيا، وربما تكون هذه التحركات أو ومضات الأمل التي تموج بها قطعة الشطرنح الشرق أوسطية، هي بدايات الانتقال الفعلي نحو مرحلة التفاعل الإيجابي مع العالم والحضارات الأخرى وإلقاء دعوات التشدد ومخاوف الصدام إلى هوة النسيان، وبناء واقع إقليمي جديد تتواصل فيه المنطقة مع البيئة الدولية من خلال قنوات المصالح المشتركة لا من خلال الصراعات والنزاعات ونظرات العداء والهواجس.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات