بعيدا عن "صراع المفاهيم" حول العراق

  • 11 أبريل 2006

سواء أكان ما تشهده بلاد الرافدين حربا أهلية حقيقية أم أنه مجرد إرهاصات ومؤشرات ونذر توحي بحجم الخطر الذي ينتظر العراق، أم أن هناك استبعادا قطعيا لوقوع هذا البلد الشقيق في أتون الاحتراب الأهلي، فإن الأمر المهم في هذه الحالة ليس الانتصار لوجهة النظر هذه أو تلك، أو تقديم دليل الإثبات على حالة معينة، أو محاولة حشد أدلة مضادة تثبت البراءة وتدحض أدلة الآخرين، بل إن المهم هو الانتصار للعراق وحشد الجهود لإنقاذه من حالة الشلل والجمود السياسي التي يعانيها، والتركيز أيضا على انتشال أحلام المواطنين البسطاء ممن راهنوا على الوعود الانتخابية التي قدمت لهم قبيل الانتخابات الأخيرة والتي داعبت أحلامهم في عراق آمن وبلد مستقر يعيشون تحت جناحيه، وهي أحلام مشروعة يستحقها ملايين العراقيين كثمرة لصبرهم على معاناة سنوات مضت. الاستغراق في إثبات أو دحض الفرضيات المتعلقة بمدى انطباق مفهوم الحرب الأهلية على ما يحدث في العراق لن يقدم ولن يؤخر، ولن يضيف سوى مزيد من الألم والمعاناة لمن ينتظرون بزوغ أفق جديد في نهاية نفق العملية السياسية المظلم، وممن ينتظرون من ساستهم إعلاء المصلحة العامة ونبذ الطائفية والصراعات الشخصية، وممن ينتظرون من جوارهم المساندة والدعم في تحقيق أمن واستقرار ملايين العراقيين، وممن ينتظرون من المجتمع الدولي دعما عمليا يترجم عشرات الوعود التي أغدقت على العراق والعراقيين طيلة السنوات الثلاث الفائتة.

وبعيدا عن صراع المفاهيم والمصطلحات حول تشخيص الواقع، ينبغي أن تنتبه الأطراف المعنية بالشأن العراق كافة، إلى ما يحمله المخاض العراقي الذي ينبئ بولادة عسيرة وشاقة لحالة الاستقرار المأمولة، حيث ترسم التسريبات الإعلامية، التي نشرت عن تقرير أعدته السفارة الأمريكية ببغداد صورة قاتمة عن الوضع السياسي والاقتصادي وتصنف الحالة في ست من محافظات العراق بأنها "خطيرة جدا"، وتشير إلى خطر الصراع بين الميليشيات المتنافسة والمتصارعة، وهو خطر لا ينطوي على صراع طائفي، بل يعبر في بعض جوانبه عن صراع نفوذ داخل بعض الطوائف الدينية لا بينها، وهي صراعات تترجم بوضوح ما تشهده قمة السياسة العراقية من صراعات بين الساسة. ويشير كذلك إلى حالات فرز طائفي على أسس دينية وعرقية تنعكس في حالات تهجير جماعي في بعض المناطق، ما يعني أن الأرض تحرث تدريجيا لمرحلة أكثر خطورة تتعلق بوحدة العراق وتماسكه.

هذا التقرير وغيره من المؤشرات تسلط الضوء على بعض جوانب الأخطار المحتملة في العراق، ما يستوجب من القادة العراقيين الإسراع بالخروج من دائرة الاشتباك السياسي حول تشكيل الحكومة المقبلة، والانتباه إلى خطورة ما يحدث ببلادهم من أخطار استراتيجية يحتاج التصدي لها إلى تضافر جهود الساسة ورجال الدين العراقيين كافة بغض النظر عن المناصب التي يشغلونها والأدوار الرسمية التي تسند إليهم، فالتحدي أكبر من أن تلقى أعباؤه على فصيل أو تيار سياسي واحد، وخطأ فادح أن يرتهن استقرار العراق ووحدة أراضيه وأمن شعبه إلى التحزبات والتخندق والتمترس وراء الدين أو الطائفة أو أي عنوان آخر لا يضع مصلحة العراق نصب عينيه ويتخذ من الشعارات والتصريحات البراقة مجدافا سياسيا لبلوغ مآرب شخصية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات