بعد الحرب السادسة في الشرق الأوسط

د. محمد علي الهنائي: بعد الحرب السادسة في الشرق الأوسط

  • 16 أغسطس 2006

بدأت "الحرب السادسة" في الشرق الأوسط  كعملية جراحية عسكرية لتحرير ثلاثة جنود إسرائيليين تم أسرهم في كل من قطاع غزة وجنوب لبنان. لكن سرعان ما تحولت إلى حرب مفتوحة ضد "حماس" و"حزب الله". ويبدو أن هذه الحرب لم تحقق أي تقدم ملموس للقوات المسلحة الإسرائيلية، بل زادت الأمور سوءًا وتعقيداً.

يمكن الحديث بعد هذه الحرب عن عدة سيناريوهات. أولها: تشكيل حكومة وحدة وطنية في الأراضي الفلسطيني؛ فالإدارة الحالية لم تعد قادرة على تسيير الأمور بسبب اعتقال إسرائيل معظم وزراء الحكومة الفلسطينية وعدداً من نواب المجلس التشريعي. ومن المرجح أن ينجو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من عواصف التغيير هذه، وقد يحتاجه الفلسطينيون كقوة معتدلة في المستقبل القريب.

في لبنان، يبدو أن الأمور قد تؤول إلى تشكيل حكومة جديدة، قد تكون أيضا حكومة وحدة وطنية، لتولي عملية إعادة بناء ما هدمته الحرب. لكن تبقى هناك عدة مسائل عالقة تلفت الانتباه. ما نوع الترتيبات الأمنية التي سيتم إرساؤها بعد هذه الحرب؟ هل ستنجح هذه الترتيبات في غياب لاعبين أساسيين مثل سوريا وإيران؟ هل ستكون هناك تسوية شاملة للمشكلات التي تواجه دول المنطقة (تطبيق صيغة "الأرض مقابل السلام"، تسوية النزاعات الحدودية،توزيع المياه، إنهاء سباق التسلح … الخ)؟/n /n للرد على هذه الأسئلة، ينبغي دراسة الترتيبات السابقة التي نشأت عن اتفاقيات كامب ديفيد ومؤتمر مدريد الدولي للسلام. فمعظم هذه الترتيبات تم إجهاضها قبل أن تعطي ثمارها مثل العلاقات السياسية العالقة بين إسرائيل والبلدان العربية واتفاق أوسلو للسلام "الميت" حاليا والمفاوضات اللبنانية?السورية "المنهارة" مع إسرائيل وانعدام التقدم في مجال مراقبة التسلح ونزع السلاح.

في الوقت الراهن، قد تبرز عدة سيناريوهات ما بعد الحرب، أولها: وقف شامل للمواجهات وتنفيذ قرار الأمم المتحدة 1701 مع نشر القوات اللبنانية والأممية في جنوب لبنان. وقد يكون هناك أيضا انسحاب للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية والفلسطينية بما في ذلك "مزارع شبعا" الأمر الذي يشكل بداية عهد جديد من السلم والاستقرار في المنطقة. يمكن حدوث ذلك إذا ما مورس ضغط دولي وداخلي كافٍ على تل أبيب لإقناعها بعدم السعي إلى التغلب عسكريا على "حماس" و"حزب الله". ومن شأن هذا السيناريو تمهيد الطريق لتوقيع اتفاقية سلام بين بيروت وتل أبيب قد تحل مكان الهدنة المنتهكة منذ 1948. وقد يبرم أيضا اتفاق بين سوريا وإسرائيل تسترجع بموجبه سوريا هضبة الجولان المحتلة بدلا من سلام شامل بينهما. وسيكون لقوى إقليمية رئيسية مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن (وحتى إيران) إلى جانب الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى مثل الأمم المتحدة دور أكبر في إنهاء الأزمة. وقد تُستدعى الأمم المتحدة إلى إصدار قرار وقف إطلاق النار في فلسطين يكون مشابهاً للقرارين 1559 و1701 المطبقين على لبنان. ويفترض أن يتم إدماج عناصر المقاومة في لبنان وفلسطين ضمن الجيشين النظاميين. ومن ثم سيكون لجماعات المقاومة في لبنان وفلسطين دور سياسي بحت كأحزاب سياسية شرعية.

والسيناريو الثاني المحتمل هو استمرار المواجهات بين كافة الجهات إذا سعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب أكثر على الأرض قبل التوصل إلى اتفاقية سلام قد تخدم قضاياه أكثر. إذا ما حدث ذلك، ستندلع مواجهات على كلا الجبهتين، أي جنوب لبنان وقطاع غزة وسيكون هناك سيناريو "لا حرب ولا سلم". وقد تبقى القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان لحماية الحدود الشمالية لإسرائيل من ضربات المقاومة. لكن قد تتخذ إسرائيل أيضا قرارا أحاديا بسحب قواتها من المنطقة دون انتظار أي ترتيبات أمنية في الميدان. وبالمثل قد تبقى القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية طالما رأت أن حدودها غير مأمونة. وقد يعيد التاريخ نفسه في غزة فتنسحب القوات الإسرائيلية من جانب واحد دون إرساء ترتيبات أمنية. ومن شأن هذا السيناريو أن يؤدي بالمنطقة كلها إلى طريق مسدود مع استمرار المأزق السياسي بين إسرائيل من جهة وسوريا ولبنان من جهة أخرى. وكنتيجة لذلك، قد يتأجل إنشاء دولة فلسطينية جديدة.

قد يتولد سيناريو ثالث من الطريق المسدود أعلاه "لا حرب ولا سلم"، وقد تنشب حرب إقليمية تشارك فيها كل من سوريا وإيران. وقد يؤدي ذلك إلى جولة أخرى من الاتفاقيات مماثلة لاتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة للتسوية لصالح الدولة اليهودية؟ وسيكون هذا أسوأ السيناريوهات.

إن لدى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وقوى كبرى أخرى دوراً هاماً تقوم به لتحقيق السلام في المنطقة شريطة وجود إرادة سياسية جادة لدى واشنطن. وفي غضون ذلك، تبقى الولايات المتحدة وبريطانيا مشغولتين كليا بحربهما ضد الإرهاب والأزمة في العراق وأفغانستان والمسائل النووية لكل من كوريا الشمالية وإيران.

ولسوء الحظ، هناك فرصة ضئيلة لأن يأخذ المجتمع الدولي مقترحات السلام العربية بعين الاعتبار. ولهذا نرجح أن يظل سيناريو "مشكلاتنا في انتظار حلولهم" قائما.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات