الولايات المتحدة تخسر مواطئ أقدامها في آسيا الوسطى

د. كينيث كاتزمان: الولايات المتحدة تخسر مواطئ أقدامها في آسيا الوسطى

  • 24 أغسطس 2005

صارت دول آسيا الوسطى (أوزبكستان وقرغيزستان وطاجكستان وكازاخستان وتركمانستان) منطقة حيوية لمصالح الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. وباستثناء تركمانستان تنتمي هذه الدول جميعها إلى مجموعة شنغهاي التعاونية التي أنشئت عام 1996، وتضم الصين وروسيا، وصارت منتدى إقليمياً رئيسياً لاتخاذ ردود فعل جماعية ضد الخطر المتنامي لحركة طالبان في أفغانستان. وقد انضمت أوزبكستان، التي قد تكون الأكثر تشدداً في سياساتها ضد حركة طالبان، إلى المجموعة في منتصف عام 2001. وباستثناء تركمانستان، فإن كل دولة من هذه الدول تستضيف جزءاً من القوات الأمريكية، أو القوات المتحالفة معها، المشاركة في عملية "الحرية الراسخة" واستعادة الاستقرار في أفغانستان، وقد عرضت كازاخستان استغلال منشآتها إذا ظهرت الحاجة إليها عند الطوارئ.

 لم تكد تمر أربع سنوات بعد أحداث سبتمبر/أيلول حتى تدهورت العلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة مع دول آسيا الوسطى تدهوراً يمكنه أن يعوق جهود الولايات المتحدة لإعادة الاستقرار في أفغانستان، وربما يمهد الطريق للحركات الجهادية الإسلامية لكي تستجمع قواها من جديد. وخلال الأشهر القليلة الماضية، جرت أحداث عديدة دلت على اهتزاز الموقف الأمريكي. ففي مارس/آذار 2005، خسرت الولايات المتحدة أحد حلفائها الرئيسيين، عسكر أكاييف، الرئيس القرغيزي السابق، الذي أعطى الولايات المتحدة الحق المطلق في استخدام القاعدة الجوية الحيوية في ماناس (بالقرب من بيشكك عاصمة قرغيزستان)، للقيام بعملياتها الجوية في أفغانستان وإيواء 1500 جندي أمريكي. فقد أطيح بأكاييف، فجأة، في انتفاضة شعبية سلمية في معظمها.

 وفي 5 يوليو/تموز 2005، أصدرت مجموعة شنغهاي إعلاناً دعت فيه الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تحديد موعد لإنهاء استخدام المنشآت العسكرية في آسيا الوسطى (لم يوقع رئيس جمهورية كازاخستان، نور سلطان نزارباييف، على الإعلان). وفي الفترة ما بين 25-27 يوليو/تموز 2005، قام دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي بزيارة مفاجئة إلى قرغيزستان (يتزعمها حالياً رئيس منتخب هو كرمان بك باكييف) وطاجكستان، للتأكد من التزام الدولتين باستضافة القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها. وقد تكللت زيارة رامسفيلد لهاتين الجمهوريتين بالنجاح، رغم أن ضرورة القيام بالزيارة أوحت بأن الترحيب بالولايات المتحدة وشركائها، قد لا يستمر لفترة طويلة./n /n في رحلته تلك لم يقم رامسفيلد بزيارة أوزبكستان، وربما كان ذلك لأنه تلقى تحذيراً مسبقاً بأن أوزبكستان تخطط لإنهاء استضافة القوات الأمريكية. وبالفعل جاءت تلك الخطوة في 29 يوليو/تموز 2005، بعد أشهر من الانتقادات التي وجهتها الولايات المتحدة إلى أوزبكستان لقمعها مظاهرات جرت في مدينة "أنديجون" في مايو/أيار 2005. فقد قدمت أوزبكستان "إشعارا" للولايات المتحدة بمنعها من استخدام قاعدة "كرشي- خان أباد" الجوية. وقد لعبت هذه القاعدة التي كانت تؤوي 1.000 عسكري أمريكي دوراً محورياً في إيصال المساعدات الإنسانية إلى أفغانستان ضمن عملية "الحرية الراسخة".

دلت تلك الخطوة على وجود شرخٍ في التحالف الأمريكي الأوزبكي ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان؛ ذلك التحالف الذي بدأ قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بوقت طويل. وقد توطدت تلك العلاقة بعد القصف الذي تعرض له مبنى الحكومة في طشقند في فبراير/شباط 1999. وفي تلك الحادثة أشارت أصابع الاتهام إلى الحركة الإسلامية في أوزبكستان، وتعرف اختصاراً باسم "حركة إيمو"، وهي أحد فروع القاعدة. وإلى ذلك التعاون الأمريكي الأوزبكي يُعزى الفضل في تمكين الولايات المتحدة من سرعة نشر قواتها في الإقليم بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وإسقاط حركة طالبان بعد الهجمات بثلاثة أشهر فقط. وأثناء العمليات القتالية، لقي القائد العسكري لحركة "إيمو" جمعة نامانجاني مصرعه، مما أدى إلى تدهور مريع في صفوف الحركة وقدراتها.

 يعود تدهور الموقف الاستراتيجي للولايات المتحدة في آسيا الوسطى، بدرجة كبيرة، إلى الاهتمام الجديد بدعم حقوق الإنسان وفرض الإصلاحات الديمقراطية في العالم الإسلامي. وقد جعلت إدارة بوش دعم حقوق الإنسان مرتكزاً أساسياً في استراتيجيتها لكسب الحرب ضد الإرهاب. ومع أن المقصود أساساً بتطبيق الديمقراطية هو العالم العربي، فإن الإدارة كانت بحاجة إلى إظهار التناسق في ذلك المنحى، وذلك بتوجيه الانتقادات إلى أصدقاء الولايات المتحدة مثل الرئيس المصري حسني مبارك والأنظمة القمعية في آسيا الوسطى. وكذلك اختارت "الإدارة" أن تجعل من الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف عبرة لغيره، باقتطاع جزء من المساعدات الأمريكية (زهاء 8.5 مليون دولار للعام المالي 2004) وفقاً لما قرره الكونجرس منذ فترة وجيزة، ومطالبة كريموف بقبول إجراء تحقيق دولي في أحداث أنديجون التي ربما لقي فيها بضع مئات من المتظاهرين مصرعهم بأيدي القوات الحكومية. وفي الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة أقل حدة في انتقادها الرئيس التركماني صابر مراد نيازوف (أبو التركمان)، على الرغم من أنه كان لنيازوف علاقات مع طالبان بين عامي 1996 و2001، كما أنه لم يقدّم أي تسهيلات للقوات التي تتزعمها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنه اشتهر باتباع الأسلوب الستاليني في حكمه الذي كان يعتمد أساساً على قوة شخصيته وتفرده.

 ومن جهة أخرى، اختارت الولايات المتحدة الثبات على مبدأ الدمقرطة (أي التحول إلى النظام الديمقراطي) بدلاً من الاعتبارات الاستراتيجية، وهو اختيار وصفه كبار القادة العسكريين الأمريكيين، من أمثال ريتشارد مايرز، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأنه ينم عن "قلة الصبر". وقد ترك هذا الاختيار ثغرة لروسيا، وبدرجة أقل للصين، لفرض نفوذهما في آسيا الوسطى. ولم تستطع هاتان الدولتان أبداً ترويض النفس على قبول وجود أمريكي موسع في المنطقة، حتى ولو كان ذلك الوجود مستخدماً لمكافحة الحركات الجهادية الإسلامية التي تشكل تهديداً لكلٍ من الدولتين، وخاصة روسيا. ويبدو أن روسيا والصين تعتقدان أن التهديد الإسلامي الأصولي قد كُبح بما فيه الكفاية بخلع تنظيم القاعدة من قواعده في أفغانستان، وأن المخاوف الاستراتيجية بشأن التصاعد المحتمل لنفوذ الولايات المتحدة يمكن أن تتصدر اهتماماتها مرة ثانية.

 السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستنتصر الولايات المتحدة في الحرب العالمية ضد الجهاديين الإسلاميين أم لا؟ وهل ستشهد علاقاتها بدول آسيا الوسطى مزيداً من التدهور؟ على الأرجح فإن الولايات المتحدة استطاعت الاعتماد على تسهيلات أخرى قريبة من المنطقة لتنفيذ عملياتها في أفغانستان. وبذلك فإن خسارة "بعض" أو حتى "كل" التسهيلات التي تستخدمها في آسيا الوسطى لن تكون في حد ذاتها سبباً يمنع الولايات المتحدة من الاستمرار في إعادة الاستقرار لأفغانستان. ولكن، أياً كان الأمر، فهناك أهمية كبيرة للكيفية التي ينظر بها حلفاء الولايات المتحدة الآخرون إلى تدهور علاقاتها بصداقات 11 سبتمبر/أيلول في المنطقة. أما حلفاء الولايات المتحدة الآخرون- وربما كان من بينهم الرئيس الأفغاني حامد قرضاي الذي يترأس ديمقراطية بازغة، غير أنها تعتمد اعتمادا كبيراً على المساومات السياسية- فربما يستنتجون أن الإصلاحات الديمقراطية صارت محل الاهتمام الأكبر للولايات المتحدة، وأن أي تحالف مع الولايات المتحدة ربما يكون مؤقتاً أو عابراً. ومن ناحية أخرى قد يستنتج الرئيس الباكستاني "برويز مشرف" أن الأمر لا يستحق المقامرة بالتعرض للإطاحة في حالة التعاون مع الولايات المتحدة، وذلك لأن واشنطن ربما تقرر، في أي لحظة، أن عدم التزامه بالإصلاحات الديمقراطية يجعله عبئا وليس مصدر قوة. ومع ذلك، فمن دون تعاونه تكاد تنعدم الفرصة للقبض على أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. وإجمالاً، فإن قطع العلاقات أو تدهورها، ليس مع دول آسيا الوسطى فحسب، ولكن مع حلفاء آخرين للولايات المتحدة في العالم الإسلامي، يمكن أن يكون له تأثير جدّ سيء على مجهودها الكلي، حتى ولو كان دعم الإصلاحات الديمقراطية يشكل شعاراً سياسياً جذاباً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات