"الوفاق الوطني": خيار حتمي للخروج من الأزمة العراقية

  • 21 نوفمبر 2005

على الرغم من الخلافات في الرؤى والمواقف بين العراقيين تجاه الكثير من القضايا والملفات والتي عبرت عن نفسها بشكل واضح في مؤتمر "الوفاق الوطني" بالقاهرة، فإن الأمر المؤكد هو أن "الوفاق" بين القوى العراقية المختلفة هو المفتاح الرئيسي للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعانيها العراق، وهو الخيار الوحيد والحتمي الذي يجب أن يعمل الجميع من أجل تحقيقه مهما كانت حدة الخلافات وتباعد المواقف ومرارة الماضي. ولا يعني "الوفاق" الإجماع التام أو انتفاء الخلافات، وإنما يعني الاستقرار على مجموعة من المبادئ العليا التي يلتزم الجميع بالعمل في ظلها وتكون بمنزلة إطار لإدارة هذه الخلافات وترشيدها، وأساسا للبناء السياسي والمؤسسي في العراق الجديد، وحدودا لما يمكن أن يصل إليه الاختلاف. ففي حالة التوصل إلى مثل هذه المبادئ والاتفاق حولها تصبح التباينات في وجهات النظر والرؤى والتصورات مظهرا إيجابيا وليست دليل خطر أو مصدرا للقلق، لأن مشكلة العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، هي أن الخلافات بين قواه المختلفة لا يحدها سقف ولا يحكمها إطار وطني أو مرجعية سياسية عليا متفق عليها، ولهذا تمتزج فيها الاعتبارات الطائفية والعرقية والدينية بالسياسية وتطال وجود الدولة ذاتها ووحدتها الإقليمية.

ويختلف العراقيون في تشخيص أسباب الأزمة التي تعانيها بلادهم وسبل مواجهتها، حيث تتحدث بعض القوى عن الاحتلال باعتباره سببا لكل المشاكل وتحذر من تدخل بعض الأطراف الإقليمية في الشؤون الداخلية ومن الانزلاق إلى حرب أهلية طاحنة، فيما ترى قوى أخرى أن الإرهاب هو مصدر كل الشرور، وتنبه قوى ثالثة إلى خطورة الطائفية والعرقية وتطالب بالحفاظ على وحدة العراق في مواجهة خطر التقسيم. وأيا كانت الأوزان النسبية لكل من هذه المشاكل في رسم صورة الأزمة التي يعانيها العراق، فإن "الوفاق الوطني" وحده هو الكفيل بالتصدي لها ومعالجتها. فهو الطريق إلى انسحاب قوات التحالف لأنه الإطار الذي يمكن من خلاله تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، وبالتالي انتفاء مبرر وجود القوات الأجنبية بها، وهو الطريق للحفاظ على العراق موحدا متماسكا، لأن غيابه يدفع القوى المختلفة إلى التمترس الضيق وراء طائفتها أو منطقتها والاحتماء بها، وهو الطريق كذلك إلى تفادي الحرب الأهلية لأنه يضع الأسس لإدارة الخلافات بشكل سلمي ومن خلال الحوار بالكلمات وليس بالطلقات، ويقطع الطريق على أي محاولات لزرع بذور الفرقة والفتنة بين العراقيين. ويمثل "الوفاق الوطني"، إضافة إلى كل ما سبق، سياجا ضد التدخل في الشؤون الداخلية، لأنه يسد الثغرات أمام هذا التدخل ويقضي على مبرر بعض القوى للاتجاه للخارج أو الاستقواء به، وضمانة لنجاح العملية السياسية التي قطعت خطوات مهمة وينتظرها العديد من الخطوات المصيرية الأخرى، وشرطا أساسيا لمواجهة الإرهاب الذي يلعب على وتر التمايزات المذهبية والعرقية ويعمل على خلط الأوراق وإيجاد حالة دائمة من الفوضى التي تغذي مخططاته.

"الوفاق الوطني" يجب أن يكون الأولوية القصوى في العراق، ومهما كان دور القوى الإقليمية والدولية في المساعدة على تحقيقه، فإن المسؤولية الأساسية تقع على الأطراف العراقية التي عليها أن تجعل منه خيارا استراتيجيا وليس مجرد تحرك تكتيكي وقتي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات