المناورات الأمريكية والإيرانية في الخليج .. استعراض للقوة أم إعداد للحرب؟

المناورات الأمريكية والإيرانية في الخليج .. استعراض للقوة أم إعداد للحرب؟

  • 12 نوفمبر 2006

تحولت منطقة الخليج العربي خلال الأيام القليلة الماضية إلى ساحة رئيسة لإجراء التدريبات والمناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب، وإيران من جانب آخر، مع سعي كل طرف إلى استعراض قوته واختبار قدرته على المواجهة والتعامل مع أية مستجدات تفرضها تطورات الأوضاع في هذه المنطقة الحساسة من العالم، ولاسيما مع تفاعل أزمة الملف النووي الإيراني، وبدء مجلس الأمن الدولي بحث إصدار قرار جديد يسمح بفرض عقوبات على إيران بسبب استمرارها في عمليات تخصيب اليورانيوم.

 فمن جانبها أجرت الولايات المتحدة، يومي 30 و31 أكتوبر 2006 مناورات بحرية شاركت فيها 24 دولة أخرى (بعضها شارك في التدريبات الأساسية مثل أستراليا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا والبحرين، وبعضها الآخر شارك كمراقب مثل الكويت وقطر والإمارات وكوريا واليابان وروسيا). وكان الهدف الأساسي من وراء هذه المناورات هو التدريب على اعتراض السفن التي تنقل أسلحة الدمار الشامل والمعدات المتعلقة بها، ومنع أية أنشطة غير شرعية لنقل التكنولوجيا النووية، وهو ما جعل إيران تعتقد أنها هي المعنية والمستهدفة بهذه المناورات، لاسيما أنها جاءت في الوقت الذي يبحث فيه مجلس الأمن مشروع القرار الأوروبي المدعوم أمريكياً لمعاقبة طهران، والذي كان ينص ضمن بنوده على منع تقديم أو بيع المعدات اللازمة للبرنامج النووي الإيراني، وفي حالة إقرار هذا المشروع فإنه سيحتاج إلى مراقبة عسكرية بحرية في الخليج لتفتيش السفن المارة فيه للتأكد من خلوها من هذه المعدات.

 ورغم تقليل طهران من أهمية هذه المناورات، لاسيما بعد تأكيد العديد من الدول المشاركة فيها وخاصة دول الخليج العربي أنها لا تستهدفها، إلا أنها أثارت قلقاً وارتباكاً واضحين في الأوساط الإيرانية، عكسته التصريحات المتضاربة للمسؤولين الإيرانيين، فمنهم من اعتبر أنها "مناورات دعائية لا فائدة منها عسكرياً"، ومنهم من وصفها بأنها "استفزازية ولا تنسجم مع متطلبات أمن واستقرار المنطقة"، ومنهم من اعتبر أنها "لا تشكل تهديداً لأمن إيران"، فيما رآها آخرون أنها " خطيرة ومثيرة للشك"!.

 غير أن إيران ارتأت أن يكون الرد على هذه المناورات بالمثل؛ حيث أجرت يوم 2/11/2006 ولمدة 10 أيام مناورات عسكرية ضخمة في نحو 14 محافظة إيرانية ، من بينها تلك المطلة على مياه الخليج العربي وبحر عمان، استعرضت فيها قوتها العسكرية الضاربة، من خلال استخدام أسلحتها المتطورة كصواريخ "شهاب-3"، التي يصل مداها إلى 2000 كلم، "وشهاب-2"، التي يبلغ مداها نحو 1000 كلم، وغيرها من الصواريخ والأسلحة المتطورة عسكرياً.

 ورغم أن إيران كانت قد أجرت في سبتمبر الماضي (2006) مناورات مشابهة في مياه الخليج العربي، وإن كانت أقل حجماً وشمولية، إلا أنها سعت من خلال هذه المناورات الجديدة إلى توجيه أكثر من رسالة للعديد من الأطراف في المنطقة وخارجها. الرسالة الأولى موجهة بطبيعة الحال إلى الولايات المتحدة، ومضمونها أن طهران قادرة على إلحاق الأذى والضرر بالقوات والقواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي من خلال ما تملكه من أسلحة متطورة وبعيدة المدى، مثل صواريخ "شهاب-3" الباليستية، التي تقول بعض التقديرات أنها قادرة على الوصول إلى القواعد الأمريكية في الخليج وجنوب أوروبا وإسرائيل. وأنها (أي طهران) قادرة أيضاً على ضرب أي سفن مراقبة في الخليج تحاول أن تقوم بتطبيق أية عقوبات تفرض عليها، سواء من مجلس الأمن أو من جانب أحادي.

 كما أن إجراء هذه المناورات بالقرب من مضيق هرمز، حمل رسالة ضمنية مؤداها أنها قادرة على إغلاقه والتأثير في صادرات النفط الخليجي التي تمر من خلاله، والتي تمثل النسبة الأكبر من صادرات دول المنطقة، إذا تم فرض عقوبات دولية عليها، ولاسيما أنها هددت أكثر من مرة بذلك، وأكدت مؤخراً أن فرض عقوبات عليها لن يضرها وحدها. وتكتسب هذه الرسالة أهمية بالغة في ضوء الأولوية التي تعطيها الولايات المتحدة لحماية منشآت النفط وضمان تدفقه للخارج.

 الرسالة الثانية موجهة إلى إسرائيل ومفادها أن لدى إيران القوة الكافية التي تستطيع من خلال إيذاء إسرائيل في حال أرادت مهاجمتها. وكانت العديد من التحليلات قد أشارت إلى إمكانية إقدام إسرائيل على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، لاسيما بعد تصعيد الاتهامات الإسرائيلية لطهران بالتورط في دعم "حزب الله" اللبناني عسكرياً وإمداده بالأسلحة المتطورة التي استطاع من خلالها إلحاق ضرر كبير بإسرائيل وقواتها أثناء الحرب الأخيرة، ومحاولة تكرار نفس السيناريو مع حركة "حماس" في فلسطين، وزاد هذا الاحتمال بعد تعيين "أفيجدور ليبرمان" اليهودي المتطرف في الحكومة الإسرائيلية وتكليفه وزارة الشؤون الاستراتيجية، التي من مهامها رسم الخطط الخاصة بالتعامل مع إيران، ثم تصريحات الرئيس الأمريكي التي تحدث فيها عن "تفهمه" لأي عملية قد تقوم بها إسرائيل ضد إيران.

 أما الرسالة الثالثة فهي موجهة إلى دول الخليج العربية، ومؤداها أن هذه الدول ستكون هي المسرح الأساسي للانتقام الإيراني من الولايات المتحدة إذا تعرضت طهران لأي هجوم عسكري من القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة بها. فرغم أن إيران لم تهدد هذه الدول بشكل مباشر، بل على العكس دعتها إلى ترتيبات إقليمية مشتركة لأمن المنطقة، كما عرضت عليها يوم 7/11/2006 توقيع معاهدة إقليمية للدفاع والأمن، فإن العديد من التحليلات والتقارير تؤكد أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في هذه الدول ستكون الهدف الأول لأي رد فعل إيراني على الهجمات الأمريكية المحتملة. كما أن إيران تريد من خلال هذه المناورات أن تبعث برسالة واضحة مؤداها أنها تمثل قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها في أي حديث عن ترتيبات أمنية إقليمية في المرحلة المقبلة.

 كما يعتقد البعض أن ثمة رسالة أخرى موجهة للداخل الإيراني، وتهدف إلى تعزيز مكانة وشعبية التيار المحافظ على حساب التيار الإصلاحي، لاسيما مع تزايد الانقسامات داخل النظام الإيراني، والتي بدأت تظهر على السطح، بعد وصول الكثيرين داخله إلى قناعة بأن تعرض بلادهم للعقوبات بات أمراً لا مفر منه، وهو ما ذهبت إليه صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية.

 ورغم ما يعكسه استعراض القوة الذي تحاول أن تظهره إيران من خلال هذه المناورات العسكرية المستمرة من ثقة وقدرة على المواجهة، فإن البعض يفسره من زاوية مخالفة، باعتبار أنه يعبر عن خوفها وقلقها أكثر مما يعبر عن ثقتها في قدرتها على التحدي والمواجهة، مشيرين إلى أن ذلك لا يخرج عن كونه نوع من الحرب النفسية لتخويف أعدائها من مهاجمتها، وإن كان ذلك لا يقلل من حقيقة امتلاك طهران قوة عسكرية، بشرية وتكنولوجية، تستطيع من خلالها إلحاق الأذى بأية قوة تفكر في مهاجمتها، فضلاً عن امتلاكها العديد من الأوراق الإقليمية الأخرى التي تستطيع من خلالها إشعال المنطقة بالكامل.

 ومع الاعتراف بمنطقية بعض التحليلات التي ذهبت إلى تفسير هذه المناورات العسكرية التي أجرتها الولايات المتحدة وإيران على أنها بداية استعداد جدي من جانب الطرفين للدخول في مواجهة عسكرية لحسم الملف النووي الإيراني بعد أن وصلت جهود التسوية السلمية إلى طريق مسدود، إلا أن القراءة الدقيقة لواقع الأمور والتطورات التي تشهدها المنطقة لا ترجح احتمالات المواجهة؛ فالولايات المتحدة، التي لازالت تعاني داخل المستنقع العراقي وتبحث عن استراتيجية خروج تحفظ لها ماء وجهها وحماية مصالحها في المنطقة، ليست في وارد الدخول في مغامرة عسكرية جديدة، لاسيما أن إيران ليست العراق، فالأخير كان يعاني التفتت الداخلي والضعف العسكري الواضح نتيجة العقوبات الصارمة التي فرضت عليه طوال 13 عاماً قبل الحرب، ومع ذلك لم تستطع الولايات المتحدة السيطرة عليه بعد نحو 40 شهراً من الاحتلال، فما بالنا بالوضع مع إيران، التي تدرك واشنطن جيداً عناصر قوتها ونفوذها الإقليمي؟.

 وبدورها لا ترغب إيران في الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، القوة العسكرية الأولى في العالم، فمهما بلغت قوتها وقدرتها على المواجهة، فإن تكلفة الحرب ستكون من الفداحة، بحيث لا تستطيع طهران تحملها.

 إذن فالمناورات العسكرية الأمريكية-الإيرانية في الخليج، لا تخرج عن كونها وسيلة لاستعراض القوة وردع كل طرف عن مهاجمة الآخر أو محاولة الإضرار بمصالحة، فالولايات المتحدة تحاول من خلال هذه المناورات الضغط على إيران للاستجابة للمطالب الدولية الخاصة بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم، وإبراز جديتها في مواجهة أية محاولات من جانبها لامتلاك السلاح النووي، وتطبيق أية عقوبات دولية محتملة يمكن أن تفرض عليها في هذا الشأن، فيما تحاول إيران الضغط للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة ببرنامجها النووي بما في ذلك الحق في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتعزيز وضعها ونفوذها الإقليمي.

 وسواء كانت هذه المناورات العسكرية استعراضاً للقوة أم إعداداً لحرب محتملة بين الطرفين، فإن الأمر المؤكد هو أن المنطقة لم تعد في حاجة إلى أية توترات جديدة، وما تشهده الآن من كوارث وأزمات تمتد من العراق إلى أفغانستان وفلسطين ولبنان، يدفع جميع الأطراف إلى تغليب لغة العقل والمنطق لحل هذه الأزمات واستعادة الاستقرار المفقود لهذه المنطقة، بدلاً من إشعال بؤر توتر جديدة قد تدفع بها إلى المجهول!.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات