الملف النووي الإيراني: خيارات الحرب والسلم

عبد الوهاب بدرخان: الملف النووي الإيراني... خيارات الحرب والسلم

  • 6 مايو 2006

لم تُكشف كل الأوراق بعد في أزمة الملف النووي الإيراني، لكن المواقف باتت معروفة وواضحة. الهدف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة لا يمكن أن يتحقق إلا عسكرياً. والهدف الذي تريد إيران تحقيقه لا يمكن إنجازه بالمناورات التي نشهدها. وعلى الرغم من أن الحلول الوسط متوافرة نظرياً، فإن الطرفين يستبعدان حالياً الخوض فيها بانتظار التطورات. وحتى الآن تبدو واشنطن وطهران مستفيدتين من لعبة الوقت، الأولى لاستكمال المعطيات والاستعدادات، وتشكيل تحالف دولي مساند، أما الثانية فتحاول استثمار المُهل الزمنية للاندفاع في تطوير إمكانياتها لإنتاج الطاقة النووية واللعب على التناقضات الدولية، وكذلك لدرس كل احتمالات المواجهة.

 الأكيد أن معظم المجتمع الدولي، فضلاً عن المحيط الإقليمي لإيران، لا يرغب في حرب جديدة في المنطقة. وكما في فترة التحضير للحرب على العراق تجددت راهناً التمنيات التي يبديها البعض في أن تكون الحرب، إذا كان لا بد منها، سريعة وخاطفة ومحدودة الأضرار، وأن تحقق فوق ذلك أغراضها المتوخاة كلها. لكن هذه المواصفات لم تعد واقعية ولا عملية بعد كل ما أظهرته التجربة العراقية. إذاً، فالأفضل ألا يكون خيار الحرب قائماً أصلاً، وألا تفوّت أي فرصة لحل سلمي.

 المشكلة في الذهاب إلى مجلس الأمن أنه يفرض، خصوصاً مع اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، منطقاً يمهد تدريجياً للاعتماد على القوة. وهذا كافٍ في حد ذاته لتعطيل أي مسعى ديبلوماسي قادر على إحداث اختراق في الأزمة. ووفقاً للمعطيات المتوافرة حالياً، ليس هناك ما يدعو لإشهار سلاح "الفصل السابع"، إذ إن إيران لم تملك السلاح النووي بعد، ثم إنها تعلن تكراراً عدم سعيها إلى امتلاكه. لذلك فالتحدي الذي يواجه مجلس الأمن يتمثل في كيفية تثبيت التأكيدات الإيرانية، لا في المسارعة إلى معاقبتها على نيات قد تكون قابلة للإنجاز وقد لا تكون.

 ما لا يعترف به المجتمع الدولي، خصوصاً الدول الكبرى، هو العجز عن وضع ضوابط، والعجز أكثر عن تفعيلها، من هنا فإن عمل مجلس الأمن يبدو تفعيلاً للخيار الحربي، بما يعنيه من خراب ودمار ومضاعفات لن تقتصر على إيران وحدها. ولأن الفيتو وارد هذه المرة أيضاً، كما كان في حال العراق، بقيادة روسيا والصين من دون فرنسا، فإن الولايات المتحدة عادت إلى الحديث عن الخيار العسكري بموافقة من الشرعية الدولية أو من دونها. لكن المعارضين يحاولون تجنب الوصول إلى مثل هذا الخيار، بل الحؤول دون الاقتراب منه أصلاً، ولا حتى بـ "تشريع" العقوبات كمرحلة أولى تمهد له.

 في الكواليس الدولية تساؤلات كثيرة عن النيات الحقيقية لواشنطن. فـ"الحلفاء" يعرفون ما لا تريده، فهي ترفض السماح لإيران بدخول النادي النووي ولو من باب الطاقة المخصصة للأغراض السلمية. لكنهم لا يعرفون ما تريده فعلاً، فهي تتحدث عن الحل السلمي ? الديبلوماسي ولا تسهله عملياً، لاعتقادها بأن هذا الحل سيوفر لإيران مكاسب ترضيها مؤقتاً، من دون أي يأتي بضمانات كافية على المدى البعيد. كما أنها تتحدث عن الخيار العسكري، ولو تلميحاً، أو بالضغط للتشدد في مجلس الأمن، لكنها غير متأكدة بعد من أن ضرب إيران يمكن أن يتم على النحو الذي يحتوي انعكاساته.

 ويعتبر ديبلوماسيون غربيون أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الأزمة الإيرانية بالمفاهيم والتصورات والمشاعر نفسها التي كانت لديها خلال الإعداد للحرب على العراق. وبالتالي فلا بد أن تكون لديها التمنيات نفسها أيضاً. ثم إن لديها ثقة مؤكدة بالقدرات العسكرية التي يمكن أن تجندها لتنفيذ المهمة. يضاف إلى ذلك أن المناخ الدولي لا يعاكسها كما بالنسبة إلى العراق. إلا أنها مضطرة أيضاً لأخذ الإسقاطات والتداعيات العراقية في حسابها، فالعبرة ليست في القدرة على تدمير الأهداف وشل حركة الخصم، وإنما في إدارة ما بعد الضربة. ففي حال العراق كانت قوات الاحتلال  الأمريكية تعتبر بمنزلة "ضمان" لاحتواء السلبيات وفرض الأمن والنظام، لكنها لم تنجح في هذه المهمة برغم وجود جنودها على الأرض. أما في حال إيران، ومع افتراض أن السيناريو يقضي بضرب كل هدف عسكري، بل مع افتراض نجاح هذا السيناريو، فإن الفوضى التي ستحدثها الضربة ستستعصي على كل احتواء أو إدارة.

 سيناريو الدمار الشامل هذا يجري تطويره بأسلوب "الفيديو جيم" (لعبة الفيديو)، وهو وصل إلى مرحلة أمكن معها تسريب فكرة استخدام الصواريخ النووية التكتيكية، سواء لترهيب إيران في سياق الحرب النفسية، أو لقياس ردود الفعل الدولية عليها.

 والواضح هنا أن الهدف اتسع نظرياً لتطويع إيران، وجعلها الرمز الحقيقي للقوة الأمريكية أكثر مما استطاعت حربا أفغانستان والعراق تحقيقه. وفي سياق هذا السيناريو يبدو إسقاط النظام وتغييره هدفاً تلقائياً بل استطرادياً، لكنه مع ذلك يبدو مخططاً منتمياً إلى الخيال حتى لو كان ممكناً عملياً، خصوصاً أنه يفترض تحالفاً دولياً ليس "راغباً" فقط بل مصمماً على تجاهل كل النتائج الكارثية وعلى تقديم كل "التضحيات" التي يتطلبها هذا المشروع. واللافت أن أي تصور آخر لـ "الضربة" يمكن أن يوفر لإيران فرصاً لاستخدام دفاعاتها وإحداث أضرار بالغة لدى القوة المهاجمة أو لدى حلفائها في المحيط الإقليمي.

 في أي حال، لا يزال هناك وقت لحل سلمي. وفي الآونة الأخيرة زاد الأوروبيون، المحبطون من تجربة التفاوض مع طهران، من حثهم الولايات المتحدة على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران. بل أصبحوا يعولون على هذا الاحتمال ولا يرون له بديلاً، خصوصاً أن مشروعات الحلول الوسط التي اقترحتها موسكو اصطدمت إما بإعراض إيراني أو بتملص أمريكي. وتعتقد الأطراف الأخرى المعنية، التي تتنقل اجتماعاتها بين لندن وبرلين وباريس وموسكو، أن أي حل سلمي يستحق من واشنطن مثل هذه الخطوة. أكثر من ذلك، تتداول مراجع عدة معلومات عن اتصالات على مستوى خبراء لم يؤكدها الأمريكيون ولا الإيرانيون، والمفهوم أنها اتصالات غير ملزمة تهدف إلى تحديد احتمالات نجاح أي مفاوضات مباشرة معلنة. ولعل الاتصال المعلن بشأن العراق سيبدأ بعد تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أنه يبقى جزئياً ولا يمثل دخولاً في مفاوضات تتعلق بالملف النووي. فبالنسبة إلى الأمريكيين تشكل الاتصالات المتفرقة نوعاً من الاختبارات للإيرانيين المستقوين الآن بالأوراق التي حصلوا عليها بفضل الأخطاء الأمريكية.

 الأرجح أن الخيار العسكري لن يتبلور، سلباً أو إيجاباً، إلا بعد استكمال هذه الاتصالات. ويصعب تحديد الشروط التي ستقنع واشنطن بـ "حل سلمي" لا بد أن ينطوي على قبول النظام الإيراني وعقد اتفاقات معه وهو في دورة تحديه للولايات المتحدة والمجتمع الدولي. لكن وضع التداعيات الاقتصادية في الاعتبار قد يجعل الاعتراف بالأمر الواقع السياسي أمراً محبذاً، خصوصاً إذا استطاعت طهران أن تقدم تنازلاتها في الوقت والمكان المناسبين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات