الكويت تعبر مرحلة صعبة

د. كينيث كاتزمان: الكويت تعبر مرحلة صعبة

  • 21 فبراير 2006

تمكنت الكويت من عبور أزمة سياسية طارئة هي الأخطر في تاريخها منذ الغزو العراقي لها في العام 1990. وقد نشبت هذه الأزمة بسبب الخلاف على تولي منصب الأمير عقب وفاة الشيخ جابر الأحمد الصباح في 15 يناير/كانون الثاني 2006.

وقد سعى الزعماء الكويتيون لحل النزاع سلمياً، من خلال الإجراءات الدستورية، لأول مرة في تاريخ الخليج، وبمشاركة هيئة منتخبة. فعقب وفاة الأمير مباشرة، تم إعلان ولي العهد الشيخ سعد، الذي يبلغ من العمر 76 عاماً ويعاني مشاكل صحية، أميراً للبلاد. غير أن رئيس الوزراء الشيخ صباح وجد دعماً من آل الصباح ومجلس الأمة (البرلمان) لتنحية سعد والحلول مكانه. وفي 24 يناير/كانون الثاني 2006، صوّت مجلس الأمة لإبعاد الشيخ سعد، وبعد خمسة أيام وافق على تولـّي الشيخ صباح إمارة البلاد. ولم يلبث الشيخ صباح أن عيّن شيخين من فرع الجابر الذي ينتمي إليه لولاية العهد ورئاسة الوزراء، مهمشاً بذلك، إلى حدٍ ما، فرع السالم من أسرة الصباح. ولكن يبدو أن فروع الأسرة جميعها كانت موافقة على التشكيل الجديد للزعامة.

وبوصفه أميراً، يُرجّح أن يعمل الشيخ صباح الأحمد الصباح على تجنب الانتقادات العربية لما تقدمه الكويت من دعم قوي لسياسات الولايات المتحدة في العراق. لقد أخضعت الكويت كل الاعتبارات لخوفها من صدام حسين؛ فساندت قرار إدارة بوش الإطاحة عسكرياً بصدام عبر استضافتها قوى التحالف بزعامة الولايات المتحدة.

وقد حققت الكويت بعض المنافع المحسوسة نتيجة دعمها ومساندتها سياسة الولايات المتحدة، فللتعبير عن مدى تقديرها وامتنانها للدعم الذي قدمته الكويت لعملية "الحرية للعراق"، أعلنت إدارة بوش الكويت، في إبريل/نيسان 2004، "حليفاً رئيساً خارج الناتو"، وهذه صفة أُطلقت على دولة واحدة فقط من دول الخليج وهي البحرين. كذلك شهدت الكويت تطوراً ملحوظاً تمثل في اكتشاف مصير نحو 600 كويتي مفقود منذ حرب 1991، فعثر على جثث نحو 400 مفقود أثناء حملة البحث التي بدأت بعد الإطاحة بصدام حسين. كذلك تتوقع الكويت أن تنال تعويضات من العراق، تحت إشراف الأمم المتحدة، جراء ما لحق بها من خسائر في غزو العام 1990، كما أن الأحكام التي صدرت حتى الآن بشأن التعويضات استفادت منها الحكومة أو الشركات الكويتية.

يمثل عدم الاستقرار في العراق مصدراً جديداً للقلق بالنسبة إلى الكويت، رغم أن ذلك القلق لا يرقى إلى مستوى التهديد الذي شكله صدام حسين لوجودها. ففي العراق تتعاظم سطوة الطوائف الإسلامية الشيعية، في حين أن حوالي 25% من سكان الكويت من الشيعة، مما جعل الزعماء الكويتيين يخشون دائماً أن تستغل إيران هذه الفئة، على الرغم من أن الشيعة الكويتيين مندمجون تماماً في المجتمع.

وفي الوقت الراهن، هناك مخاوف من احتمالات وقوع شيعة الكويت تحت تأثير الحركات الشيعية التي حققت الانتصارات أخيراً في العراق. وتضم هذه الحركات حزب "الدعوة الإسلامية"، و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". وتشير أصابع الاتهام إلى نشطاء "الدعوة" في الكويت بأنهم مسؤولون عن تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت في ديسمبر/كانون الأول 1983، وعن محاولة اغتيال أمير الكويت في مايو/أيار 1985. وقد اعتقل سبعة عشر عنصراً من نشطاء الدعوة لاتهامهم بتفجيرات العام 1983، وفي العام 1987، اختُطفت إحدى طائرات الخطوط الجوية الكويتية، وطالب المختطفون بإطلاق سراح معتقلين، ولكن الحكومة الكويتية لم تنفذ هذا الطلب. ولكن مع ذلك لم يتم وقوع أي أعمال عنف من هذا النوع ضد الكويت منذ فترة من الزمن. ويتزعم حزب الدعوة العراقي رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، بيد أنه لا يوجد دليل على ضلوعه في هذه الهجمات التي نفذها نشطاء "الدعوة" سابقاً في الكويت.

في واقع الأمر، تواجه الكويت تهديداً من طرفين سببه عدم الاستقرار في العراق. فالشيعة العراقيون ليسوا وحدهم الذين يشكلون تهديداً محتملاً للكويت، بل إن نشطاء السنـّـة العراقيين أيضاً يُعتبرون مصدراً للتهديد. وعلى الرغم من تشديد القبضة الأمنية الداخلية، فإن بعض الهجمات ذات الصلة بالعراق ما زالت تنفّذ في الكويت. فمنذ يناير/كانون الثاني 2005، حدثت ست مواجهات بين قوات الأمن الكويتية والإرهابيين في مدينة الكويت، سقط فيها عدد من المسلحين وعناصر الأمن. وفيما يبدو كان المسلحون يحاولون إعاقة الأنشطة الجارية في الكويت لدعم "عملية الحرية الراسخة"، رغم أن هذه الهجمات لم تطل أي منشآت تستخدمها القوات الأمريكية هناك. وفي ديسمبر/كانون الأول 2005، أدانت الكويت ستة أشخاص بتهمة الانتماء لمجموعة "أسود الجزيرة"، التي اتهمت بالتخطيط لشن هجمات ضد القوات الأمريكية بالكويت.

طوال فترة تقارب عقداً من الزمان بعد تحرير الكويت في 1991، ألقى تخوف الكويت من العراق بظلاله تقريباً على كافة القرارات المرتبطة بالسياسة الخارجية، وخاصة العلاقات مع الدول والمنظمات التي تعاطفت مع الغزو العراقي العام 1990. وسيواجه الشيخ صباح الآن اختباراً حول مسائل عربية أوسع نطاقاً. فقد كان صوت الكويت، مقارنة بغيرها من دول الخليج، الأعلى انتقاداً للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات؛ لأنه ساند العراق علانية في حرب الخليج العام 1991، وكانت الكويت تمتدح حركة "حماس"، بل إنها دعت زعيم "حماس" الراحل الشيخ أحمد ياسين لزيارتها العام 1998.

وبعد وفاة عرفات، أقامت الكويت علاقات مع رئيس السلطة الفلسطينية وزعيم حركة "فتح" محمود عباس. لكن فوز "حماس" الآن بالانتخابات التشريعية، وتشكيلها للحكومة الجديدة، ربما يدفعها إلى اختبار الكويت بطلب مساعدات مالية كبيرة للتعويض عما يزمع الغرب تخفيضه من مساعدات. ومن المحتمل أن تضغط الولايات المتحدة على الحكومة الكويتية لكي لا تقدم مثل هذه المساعدات للحكومة الفلسطينية بزعامة "حماس"، وتنضم إلى الجهود الغربية للضغط على الحركة للتخلي عن العنف والاعتراف بإسرائيل. ويرجح أن الحكومة الكويتية لن تعمل على تحدي الولايات المتحدة.

على الصعيد الداخلي، من المرجح أن يواصل الشيخ صباح الإصلاحات السياسية التي نادى بها لأكثر من عامين حين كان رئيساً للوزراء. وكان من أبرز إنجازاته في تلك الفترة إجازة مشروع حكومي، في 16 مايو/آيار 2005، لإعطاء المرأة حق التصويت في الانتخابات وحق الترشيح للمنافسة على المقاعد البرلمانية اعتباراً من انتخابات مجلس الأمة للعام 2007. وفي هذا السياق، تم تعيين إحدى ناشطات الحركة النسائية الدكتورة معصومة المبارك، في 12 يونيو/حزيران 2005، كأول وزيرة في تاريخ الكويت (وزيرة التخطيط ووزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية).

فيما يخص السياسة الاقتصادية، من المرجح أن يهتم الشيخ صباح بمسألة واجه فيها تحدياً من مجلس الأمة. فالشيخ صباح يرى ضرورة أن تفتح الكويت أبوابها للاستثمارات الأجنبية لجذب التكنولوجيا وإتاحة الفرصة لتوسع القطاع الخاص، حيث إن الخزانة الكويتية لا تزال تحصل على 75% من مواردها من عوائد صناعة النفط التي تمتلكها الحكومة، والتي تمثل نحو 90% من عائد الصادرات.

وترغب الحكومة الكويتية في فتح حقول الشمال النفطية للاستثمارات الأجنبية المطلوبة من خلال "مشروع الكويت"، كجزء أساسي من محاولة لرفع سقف الإنتاج إلى 4 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2020. وسينتج "مشروع الكويت" نحو 500 ألف برميل من النفط يومياً، غير أن مجلس الأمة عارض تمرير المشروع، الذي تبلغ تكلفته 8.5 مليار دولار، قرابة عقد من الزمن لأسباب تتعلق بـ "سيادة الكويت".

ورغم أن الحكومة تغلبت على هذه المعارضة في يونيو/حزيران 2005، فإن المجلس أوقف المشروع مرة أخرى، في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، حين رفض طلباً تقدمت به الحكومة لتحديد موعد لإجراء نقاش برلماني شامل حول الموضوع. ومن المرجح أن ينجح الشيخ صباح في إقناع البرلمان بالموافقة وتمرير المشروع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات