الكويت … أزمات سياسية متكررة

شحاتة محمد ناصر: الكويت ... أزمات سياسية متكررة

  • 30 مايو 2007

لعل أهم ما يمكن ملاحظته من خلال متابعة التفاعلات السياسية الكويتية خلال الفترة الأخيرة، هو تعدد وتكرار الأزمات التي شهدتها البلاد في فترات زمنية قصيرة وعلى مستويات مختلفة، نتيجة تصاعد نبرة المواجهة بين البرلمان (مجلس الأمة) والحكومة، بشكل أضر بالعمل السياسي، وقدم صورة سلبية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية على السواء للمواطنين الكويتيين، الذين أصبحوا يعيشون على وقع مشاكل وأزمات لا تنتهي بين الجانبين. 

 فخلال ما لا يزيد عن عام ونصف شهدت الكويت أربع أزمات سياسية خطيرة تم اللجوء في بعضها إلى حلول غير تقليدية واستثنائية مثل حل البرلمان أو إقالة الحكومة. ففي بداية عام 2006 عاشت الكويت أزمة خلافة الأمير الراحل الشيخ "جابر الأحمد الصباح"، والتي هددت بانقسامات خطيرة في صفوف الأسرة الحاكمة، ولكنها انتهت بسلام بتولي الشيخ "صباح الأحمد"، الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة مقاليد الحكم، بعد أن تدخل البرلمان وقام بعزل الشيخ "سعد العبد الله السالم الصباح"، الذي كان ولياً للعهد، وذلك لأسباب صحية. وبعد هذا التاريخ بأشهر قليلة، اصطدم البرلمان مع الحكومة بشكل دفع الأمير إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية جديدة أسفرت عن فوز المعارضة بـ 33 مقعداً من أصل 50 مقعداً هي مجموع مقاعد مجلس الأمة.  وفي مارس/آذار2007 أقدمت الحكومة الكويتية على الاستقالة لتفادي تصويتٍ بحجب الثقة في البرلمان عن وزير الصحة الشيخ "أحمد عبد الله الصباح"، وتم تشكيل حكومة جديدة.  ولم يمض على هذه الأزمة سوى نحو شهرين حتى انفجرت أزمة أخرى نتيجة التهديد باستجواب وزير النفط الشيخ "علي الجراح الصباح"، ومطالبته بتقديم استقالته على خلفية تصريحات له قال فيها إنه يستشير وزير النفط السابق المتهم بقضايا فساد الشيخ "علي الخليفة" في الأمور النفطية.

 وتدفع هذه الأزمات المتكررة إلى طرح تساؤلات مهمة، مثل: أين مكمن الخلل في التجربة الديمقراطية الكويتية؟ ولماذا تغرق الكويت في أزمات سياسية حادة ومتتالية؟ هل يتعلق الأمر بأخطاء في الممارسة أم في التجربة نفسها؟

 هناك من يقول إن أخطاء الممارسة هي السبب، بمعنى أن استخدام الآليات التي تتيحها اللعبة الديمقراطية وعلى رأسها آلية الاستجوابات داخل البرلمان يتم بشكل خاطئ، ولا يراعي خصائص وخصوصيات الساحة السياسية الكويتية وخطوطها الحمراء التي يجب العمل ضمن حدودها، إضافة إلى الانزلاق إلى المعارضة لغرض المعارضة بحد ذاتها، والمبالغة في طرح الاستجوابات، وتعمد إحراج الحكومة وتضييق خيارات التصرف أمام القيادة العليا، فضلاً عن تعطيل مشروعات مهمة استناداً إلى الأغلبية التي تتمتع بها المعارضة داخل مجلس الأمة، ويأتي على رأس هذه المشروعات مشروع تطوير حقول نفط الشمال، وتعمد توجيه الاستجوابات إلى أعضاء الأسرة الحاكمة بشكل يوحي بتحديها والدخول في صراع إرادات معها. ويتخذ أصحاب وجهة النظر هذه من المستوى المتدني الذي وصل إليه النقاش داخل مجلس الأمة خلال الفترة الأخيرة، دليلاً على صحة ما يقولون، حتى إن رئيس المجلس "جاسم الخرافي" اضطر إلى رفع الجلسة في إحدى المرات بعد أن وصل الأمر إلى استخدام ألفاظ نابية والدخول في اشتباكات بالأيدي، كما اعترف بعض النواب أنفسهم بأن البرلمان أصبح فاقداً للأولويات، ولا يمتلك رؤية واضحة حول قضايا الوطن.

 وعلى الرغم من أن وجهة النظر هذه لها بعض جوانب الصحة، فإن خطورتها تتمثل في جانبين، الأول: هو أنها يمكن أن تُتخذ كذريعة للدعوة إلى تدجين مجلس الأمة وإعادة النظر في سلطاته وصلاحياته، من منطلق تحميله كل المسؤولية عن الأزمات السياسية التي تقع فيها البلاد، وقد بدأ بعض الكتاب يدعون بالفعل إلى ذلك.

 أما الجانب الثاني فهو أنها تتجاهل الأبعاد الأخرى للازمة السياسية في الكويت، وهي أبعاد لا تتصل بأسلوب الممارسة فقط، وإنما تندرج ضمن أصول التجربة الديمقراطية الكويتية ذاتها وتتعلق بجوهرها. وأهم هذه الأبعاد هي:

 (1) عدم قبول الحكومة بمنطق اللعبة الديمقراطية مهما كانت نتائجها وتأثيراتها، فما يتسبب في الأزمات السياسية، على مدى تاريخ التجربة الديمقراطية الكويتية، ليس فقط إقدام النواب في البرلمان على طرح الاستجوابات واستهداف أعضاء الأسرة الحاكمة أو غيرهم، فهم يمارسون، على أية حال، سلطتهم المقررة لهم في الدستور، وإنما كذلك عدم استعداد الحكومة لتقبل آلية الاستجواب وما يترتب عليها، ففي كل مرة يتعرض فيها وزير إلى استجواب يمكن أن ينجح في طرح الثقة فيه، تلجأ القيادة إما إلى تغيير الحكومة أو تغيير الوزير أو حل البرلمان. 

 (2) على الرغم من أن الفصل بين ولاية العهد ورئاسة الحكومة قد استجاب لمطلب سياسي مهم في الكويت، إلا أن تولي أحد أعضاء الأسرة الحاكمة منصب رئاسة الوزراء، يحول دون إخضاعه أو إخضاع الحكومة للمسائلة الحقيقية أمام البرلمان، كما يجعل سحب الثقة من الحكومة بمثابة تحدٍ للأسرة الحاكمة وهزيمة لها أمام مجلس الأمة، ولعل هذا هو الذي يدفع الأمير إما إلى حل البرلمان أو تغييره أو إقالة الحكومة في كل مرة يواجه فيها وزير من الحكومة استجواباً يمكن أن يفضي إلى سحب الثقة منه.

 (3) على الرغم من وجود العديد من الجمعيات السياسية التي تتوافر لها كل شروط الأحزاب، فإن هناك رفضاً لتحولها إلى أحزاب سياسية شرعية؛ حيث تطالب المعارضة بالقبول بالأحزاب التي يمكن من خلالها التداول السلمي للسلطة بين الكتل البرلمانية المنتخبة، وأن تتكون الحكومة من نواب ينتخبهم الشعب حتى يمكن إخضاعها للمساءلة أمام البرلمان بدلاً من تولي أعضاء الأسرة الحاكمة للمناصب الوزارية الرئيسية وبالتالي يكون من الصعب مسائلتهم برلمانياً.

 إن من أهم سمات الديمقراطية أن بها من الآليات ما تستطيع من خلاله تصحيح مسارها باستمرار، والكشف عن مكامن الخلل ومعالجته بشكل دوري، ولكن ما يحدث في الكويت هو نوع من التدخل القسري لمواجهة ما ترى القيادة أنه "إساءة إلى الممارسة الديمقراطية"، وبالتالي لا تتيح لآلياتها أن تنشط أو تقوم بدورها، بشكل يشوه العملية السياسية وينتج الأزمات باستمرار. الحل في الكويت هو أن يتم ترك التجربة الديمقراطية تصحح نفسها بنفسها من خلال آلياتها وأدواتها المقررة في الدستور، حتى تصل إلى وضع الثبات والاستقرار مثلما حدث في كل التجارب الديمقراطية المستقرة والمزدهرة في العالم. 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات