القمـة العربيـة الأصعـب

  • 22 مارس 2005

ن الواضح أن قمة الجزائر التي تلتئم اليوم هي من أصعب القمم العربية تاريخيا، وذلك لا يعود بالدرجة الأولى إلى ضخامة ملف القضايا التي تعقدت وتأجلت بما يجعل البت فيها أقرب إلى المشي على الأشواك، ولكن الأمر عائد بالأساس إلى الشكوك وأجواء الإحباط التي باتت تغلف شعور العرب تجاه مؤسسة القمة وما يمكن أن تفعله من أجل حل قضاياهم، بل إن الأمر ربما يتجاوز هاجس الخارج إلى هاجس الداخل، حيث الخوف من الفشل يخيم على أروقة القمم العربية دوما، بما يكفي لتراجع أي فرص للحلول لمصلحة رغبة مشتركة لدى الجميع في لملمة الخلافات، وإنكارها وتجاهل مناقشتها والحرص على الخروج بموقف عربي موحد بغض النظر عما إذا كان هذا "الموقف" يعالج بالفعل الأزمات والإشكاليات التي تكاد تعصف بالمنطقة أم أنه يمثل بابا للهروب منها والتقوقع مجددا حول الذات والاحتماء بالتأجيل الذي فشل مرارا في وأد الخلافات وحل الإشكاليات، حتى أن هذه الإخفاقات المتتالية قد خلفت ميراثا أصعب في حمله ومعالجته من الإشكاليات والقضايا الأساسية ذاتها. مشكلة مؤسسة القمة العربية أنها تحتاج إلى علاج جذري فاعل ولكن الجميع يتهرب من تجرع هذا العلاج. إن الإنجاز الذي يكاد يكون وحيدا للقمم العربية المتوالية هو نجاحها في "تجميد" القضايا العربية المركزية وإدارة "بعض" الأزمات لا حلها، والنتيجة أننا نكاد نغرق في موروث هائل من القضايا والملفات التي تبدأ بقضية العرب المركزية الأولى في فلسطين، ولا تنتهي بالإصلاح والمشاركة السياسية مرورا بالعراق ولبنان وجنوب السودان و"دارفور"، ناهيك عن قضايا الإرهاب والتنمية والفقر والبطالة ومعالجة التخلف والبحث عن موقع للعرب في القرن الحادي والعشرين.

قمة الجزائر اليوم تواجه ملفات شائكة مؤجلة أضيفت إليها قضايا جديدة وعلاقات بينية عربية مرتبكة مملوءة بالتعقيدات والشكوك وغياب الثقة. والبداية العربية الصحيحة لن تتحقق سوى بمصارحة الشعوب ومكاشفتها حول ما يحدث في الخفاء، فالمواطن العربي قد بلغ "سن الرشد" ولم يعد ممكنا شراء صمته ببيانات تقليدية مستنسخة، وحالة الاحتقان والإحباط في الشارع العربي تحتاج إلى رافعة حقيقية تساعد الجميع في الخروج من هذا المأزق التاريخي، وإلى "مقدمات" ومعطيات حقيقية من أجل انتظار نتائج أفضل تتقاطع مع طموحات الشعوب إذا ما كانت هناك نية جادة للحفاظ على "النظام العربي" الذي دخل نفق الأزمة ولم يخرج منه منذ سنوات مضت. قمة الجزائر قد تكون أيضا الفرصة الأخيرة كي ننظر إلى مرآة الحقيقة ونواجه الواقع والقضايا المثارة بجدية بدلا من الاستغراق في معارك جانبية واختيار طرق سهلة لم تعد تؤدي إلى المحطة التي تطمح إليها الشعوب، ولعل أبرز ما يميز هذه القمة هو أنها تعقد من دون ضغوط من الشعوب، التي لم تعد تراهن في معظمها على موقف جماعي عربي مشترك، ولم تعد تتلهف إلى نتائج القمم، ولذا فالمأمول أن تتعامل القمة مع التحديات المطروحة بما تتطلبه من جدية وقرارات قادرة على التعامل مع الواقع في شتى جوانبه، وعدم الاكتفاء بـ"التأجيل" وبيانات "التجميل" التي لم تعد توفر "طوق نجاة" ولا تضمن الاستقرار في منطقة تعج بالرمال السياسية المتحركة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات