القاعدة في المغرب الإسلامي

مراد بطل الشيشاني: القاعدة في المغرب الإسلامي

  • 19 مارس 2007

أثار إعلان تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وهو الاسم الجديد لـ "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، بعد إعلانها الانضمام لتنظيم القاعدة يوم 13 سبتمبر/أيلول 2006، مسؤوليته عن التفجيرات المتزامنة، التي استهدفت بعض مقار الشرطة والأجهزة الأمنية في مدينتي "تيزي أوزو" و"بومرداس" الجزائريتين، خلال شهر فبراير/شباط 2007، إضافة إلى الهجوم الانتحاري الذي استهدف مقهى للإنترنت في مدينة الدار البيضاء المغربية يوم 11 مارس/آذار الحالي، والذي ربطه بعض المراقبين بهذا التنظيم. التساؤلات حول حقيقة الحضور الفعلي لتنظيم "القاعدة" في منطقة شمال أفريقيا، خاصة أن العنف، باستثناء حالات محدودة مثل تفجيرات جربا في تونس أو تفجيرات الدار البيضاء في المغرب، كان قد اقتصر على التجربة الجزائرية منذ مطلع التسعينيات، فهل يعني ذلك أن "القاعدة"، أو التيار السلفي-الجهادي بتعبير أدق، والولايات المتحدة الأمريكية قد قررا نقل معركتهما إلى الساحل الشمالي الأفريقي؟.

إن فهم ما سبق، يرتبط بملاحظات ثلاث أساسية قد تفسر حال "القاعدة في المغرب الإسلامي"، أولها: أن إعلان الجماعة "السلفية للدعوة والقتال" مبايعتها لتنظيم القاعدة الأم، والذي جسده البيان الصادر عن "أبو مصعب عبد الودود" أمير الجماعة، وأعلن فيه ولاءه لإمرة "أسامة بن لادن"، زعيم التنظيم، لا يتناقض والحديث عن تحول "القاعدة" إلى تنظيم لا مركزي، منذ اشتداد التضييق عليه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، واعتماده على الخلايا المحلية، والجماعات القريبة من تفكيرها الأيديولوجي، وإن كان البعض يرى أن إعلان هذه الجماعة الانضمام إلى تنظيم "القاعدة"، الذي يعد هو نفسه جزءًا من التيار السلفي-الجهادي الممتد، يدخل في باب محاولة إظهار هذه الجماعة كجزء من تنظيم ممتد تصعب هزيمته، كما أشار إلى ذلك الباحث الفرنسي "أوليفييه روا"، والذي اعتبر ذات مرة أن الإعلان عن خطر "القاعدة"، من قبل الأنظمة السياسية المختلفة، أو الانتماء لها، من قبل جماعات العنف المحلية، في أماكن متفرقة من العالم، يحقق غاية وظيفية، للتنظيمات المحلية للظهور كجزء من تيار "متغول" تصعب هزيمته، وللأنظمة السياسية لكسب التـأييد الدولي والتعاون الأمريكي بحجة وقوعها تحت تهديد القاعدة، مشيراً إلى أن ذلك جعل تنظيم "القاعدة"، ماركة تجارية مسجلة.

وتترافق محاولة الظهور كجزء من تنظيم "القاعدة" من قبل الجماعات المحلية في المغرب العربي، مع تزايد الاهتمام الأميركي بمنطقة شمال أفريقيا، وهو ما يقودنا إلى الملاحظة الثانية، والتي ترتبط بالدور الأمريكي في المنطقة. فالولايات المتحدة عززت علاقاتها بشكل ملحوظ على مستويي الأمن والاقتصاد مع دول شمال أفريقيا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، واكتسبت هذه العلاقات بعدها الاقتصادي الأبرز مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، فيما اكتسبت بعدها الأمني من تعاون دول شمال أفريقيا مع الولايات المتحدة في حربها المعلنة ضد الإرهاب، وذلك في إطار الحرص الأمريكي على تعزيز التعاون مع دول القارة الإفريقية في مكافحة هذه الظاهرة. ولعل التطور المهم في هذا الصدد ما تم الإعلان عنه مؤخراً من تأسيس مركز أمريكي متقدم لمكافحة الإرهاب في القارة الأفريقية بالتعاون مع دول المنطقة، بعد اجتماعات عدة جرت في عواصم أفريقية مختلفة، وخاصة بعد تزايد نفوذ "المحاكم الإسلامية" في الصومال، قبل هزيمتها على يد القوات الإثيوبية. وكان صعود "المحاكم الإسلامية" قد دفع قوات البحرية الأمريكية إلى تحريك مجموعة أو قوة عسكرية بحرية لمراقبة تسلل "الجهاديين" من وإلى القرن الأفريقي، الذي يعد ابتداءً من المناطق الاستراتيجية المهمة للولايات المتحدة.

وتأكيداً لهذا التوجه الأفريقي لتنظيم القاعدة، ذكرت صحيفة "الباييس" الإسبانية في أحد تقاريرها، أن زعيم "القاعدة" "أسامة بن لادن"، اتخذ من مالي قاعدة لتدريب عناصر "القاعدة" وحلفائها من ا"لجماعة السلفية الجزائرية للدعوة والقتال"، وذلك بحكم قربها من السواحل الأوروبية، مشيرةً إلى أن "بن لادن" يسعى لبناء تحالفات في القارة السمراء، وهو الأمر الذي قد يكتسب أهمية كبيرة، إذا ما تم ربطه مع عناوين أخرى حفلت بها وسائل الإعلام في الفترة الماضية، مثل: الإعلان عن مقتل 25 شخصاً في مواجهات مع إسلاميين في تونس، والقبض على عدد كبير من الخلايا الإرهابية في المغرب خلال العالم 2006، ووقوع انفجار ثالث، يشتبه بكونه إرهابياً، في أنبوب نفط بنيجيريا، وغيرها.

وفي هذا السياق ذكرت ذات الصحيفة الإسبانية في تقرير خاص لها أن تنظيم "القاعدة" قام بتدريب "جهاديين انتحاريين" تم تجنيدهم في أسبانيا على استخدام الأسلحة والمتفجرات، في صحراء منطقة الساحل القاحلة التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر.  كما نشرت صحيفة الحياة اللندنية تقريراً فرنسياً سرياً، حدد واضعوه "أربعة مصادر تهديد'' لـ "القاعدة"، وهي: "الشبكات العراقية"، و"الشبكات الأفغانية-الباكستانية"، والأكثر خطورة "الشبكات المغاربية"، وأخيراً "شبكة آسيا الوسطى". وقد حذر التقرير من هجمات قد تشنها "القاعدة" ضد فرنسا قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة على غرار هجمات مدريد التي استهدفت تفجير قطارات مدنية في 11 مارس/آذار 2004، والتي استطاع تنظيم "القاعدة" من خلالها التأثير في نتيجة الانتخابات العامة التي جرت آنذاك.

وترجع التخوفات الأوروبية بهذا الشأن إلى القناعة بأن نشاط هذه الشبكات قد يكون موجهاً ضدها بالأساس، أي إن عنف "القاعدة" موجه نحو أوروبا، ولذا تسعى الأخيرة إلى بناء "قواعد" لها في التخوم الأفريقية لحماية نفسها. وهذا التحليل قد يكتسب معقوليته بالنظر إلى أن التضييق على الجاليات المسلمة، و"الجهاديين" منهم بخاصة في أوروبا، أدى إلى إيجاد ما يمكن تسميتهم "العائدين من أوروبا"، وهو ما يرتبط بالملاحظة الثالثة، حول تزايد دور "القاعدة" في دول المغرب العربي؛ فجزء من تفسير ازدياد نشاط خلايا "القاعدة" في الداخل المغاربي، يرتبط بهؤلاء العائدين، كما يستدل على ذلك من خلال أفراد "الخلايا" الذين أعلن القبض عليهم في المغرب مؤخراً، أو الأسماء التي أعلن عن ارتباطها بأحداث "حمام الأنف" في تونس، كما أن المحاكمات التي تمت لسلفيين-جهاديين في موريتانيا منذ أيام، قد لا تخرج عن هذا السياق.

على ما سبق يلاحظ أن توجه "القاعدة" أو التيار السلفي-الجهادي نحو أفريقيا يبدأ من شمالها العربي، وإذا نظرنا إلى الاهتمام الأمريكي المتزايد بهذه المنطقة، سواء كساحة لمواجهة النفوذين الفرنسي والصيني، أو لتحقيق مصالح اقتصادية-استراتيجية، أو لمكافحة الإرهاب، فإن تلك المنطقة تصبح مرشحة لتزايد أحداث العنف فيها. كما يتوقع قيام أو نشوء نوع من "الحرب بالوكالة" بين الولايات المتحدة، وعبر الأنظمة السياسية في المنطقة، كما حدث في حالة الحرب الإثيوبية ضد "المحاكم الإسلامية"، والتيار السلفي-الجهادي، الذي سيسعى بدوره إلى إيجاد حلفاء له، كما يرغب "أسامة بن لادن" يكونون قادرين على التوجه نحو أوروبا أو "قلب العالم الإسلامي" ?كما يصف منظرو القاعدة المنطقة العربية-، لشن "المعركة الجهادية الممتدة بين الخير والشر".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات