القاعدة بعد الزرقاوي

د. كينيث كاتزمان: القاعدة بعد الزرقاوي

  • 1 يوليو 2006

لا شك أن تنظيم "القاعدة" قد تعرض لضربة قوية في السابع من يونيو/حزيران 2006 بمقتل أبو مصعب الزرقاوي، الذي لقي مصرعه إثر غارة جوية شنتها القوات الأمريكية على منزله الآمن بالقرب من بعقوبة. وعلى الرغم من أنه بدأ قائداً لمجموعته من المقاتلين الأجانب في العراق، فإن الزرقاوي صار وجهاً للقاعدة في العراق، ودليلاً ملموساً على أن بمقدور "القاعدة" – بالتضامن مع المسلحين العراقيين- أن تحبط مجهودات يقوم بها 150,000 جندي أمريكي لإرساء الاستقرار في ذلك البلد. لقد قدَّم الزرقاوي الدليل على أن الحرب في العراق ساحة تجنيد وحراك لتنظيم "القاعدة"، بعد النكسة الخطيرة التي تعرض لها التنظيم حين طردته الولايات المتحدة من أفغانستان.

 وعلى الرغم من شهرة الزرقاوي ومكانته، فإن موته لم يشكّل نكسة محسوسة للقوة الكلية للتنظيم، ولم يقلّل من التهديد الذي يشكله التنظيم وأتباعه. فالقاعدة ما زالت موجودة في العراق، وكذلك الجماعات العراقية المسلحة التي تشكل نحو 90% من مجموع المقاتلين المسلحين في ذلك البلد.  وبعد موت الزرقاوي اختير خلفاً له "أبو حمزة المهاجر"، واستمرت وتيرة العنف في العراق التي لم يقلل منها مصرع الزرقاوي. لقد استمرت الهجمات ضد المدنيين الشيعة ومساجدهم، رغم التكهنات بأن من يخلف الزرقاوي سيستمع لنصيحة نائب زعيم القاعدة أيمن الظواهري بألا يثير حربا أهلية بين السنة والشيعة في العراق، وأن يركز بدلاً من ذلك على مهاجمة القوات الأمريكية.

 وعلى الرغم من أن مقتل الزرقاوي كان، بلا شك، ضربة رمزية للتنظيم، فقد حدثت في الوقت نفسه تقريباً تطورات تعتبرها القاعدة مواتية، وكان أولها في إندونيسيا حيث تم إطلاق سراح "أبو بكر باعشير" الزعيم الروحي والأيديولوجي للجماعة الإسلامية، وهي من فروع "القاعدة"في جنوب شرق آسيا. وفي الوقت نفسه تقريباً استطاعت جماعات من الإسلاميين في الصومال، عرفت باسم "اتحاد المحاكم الإسلامية"، أن تخلي مقديشيو من المليشيات التي تدعمها الولايات المتحدة. ويُعتقد أن اتحاد المحاكم الإسلامية يتبنى بعض عناصر القاعدة الذين اتُّهم بعضهم في تفجيرات أغسطس/آب 1998 بسفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، وتفجيرات نوفمبر/تشرين الثاني 2002 ضد أهداف إسرائيلية في ممباسا. وهكذا فان انتصار اتحاد المحاكم الإسلامية أحبط جهود الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء علاقات مع حكومات وجماعات مناوئة للإسلاميين في شرق أفريقيا.

 أما في العالم العربي فقد مُنيت "القاعدة "، أو الاتجاهات التي تمثلها، بنكسات حدثت مؤخراً، ولكنها أيضا حظيت ببعض النجاحات. ففي مصر كانت هناك سلسلة من الانفجارات خلال العامين الماضيين في المناطق السياحية الواقعة على ساحل البحر الأحمر. وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر حول المسؤولية عن هذه الهجمات، فإنها كانت ترمي، في محصلتها النهائية، إلى إيجاد انطباع بأن الجهاديين الإسلاميين يعودون للظهور بعد سنوات طويلة من القمع. وهكذا فإن الانفجارات التي وقعت في مصر تدعم "القاعدة"، سواء أكان أعضاء القاعدة أو أتباعهم هم الذين نفذوا تلك الانفجارات أم لا.

 من جهة أخرى، نفذت "القاعدة" هجمات قليلة ناجحة، إذا جاز اعتبارها كذلك، بالمملكة العربية السعودية، وهي ساحة شهدت نشاطاً كبيراً لجهاديّي القاعدة قبل سنوات قليلة. غير أنَّ باكستان هي المكان الذي تكسب فيه القاعدة نفوذا كبيراً، ومن المعتقد الآن أن حلفاءها الذين يعرفون باسم "طالبان باكستان"، يسيطرون فعلياً على كثير من القرى والبلدات في مناطق القبائل. لقد قويت شوكة "طالبان باكستان"، وهؤلاء هم حلفاء "طالبان أفغانستان"، الذين لا يزالون يشنون هجمات مسلحة على نطاق واسع في أفغانستان، على الرغم من وجود 80,000 جندي باكستاني في مناطق القبائل. ومن الواضح أن ازدياد قوة "طالبان باكستان" يساعد على إرباك الجهود التي تبذلها المخابرات الباكستانية لتحديد مكان أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، كما أن القوة المتنامية للعناصر المتطرفة تجعل من المستحيل سياسياً تقديم الولايات المتحدة أي طلب لباكستان لإدخال العدد المطلوب من القوات الأمريكية للبحث الفعال عن زعماء القاعدة.

 ومع ذلك، تشير الضربة التي أودت بحياة الزرقاوي إلى أن القوات الأمريكية حين تعمل بتعاون وثيق مع أجهزة الأمن الخاصة بحلفائها الإقليميين، يمكنها أن تنجح في اصطياد زعماء القاعدة. وإذا استطاعت القوات الأمريكية النفاذ إلى مناطق القبائل في باكستان، فمن المرجّح أن تنجح الولايات المتحدة وباكستان في تحديد مكان أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. وفي هذا الخصوص، فإن نجاح عملية البحث عن الزرقاوي يمكن أن يمثل تحذيراً لابن لادن والظواهري بأنه ربما يتم العثور عليهما في يومٍ ما.

 زادت قوة القاعدة زيادة كبيرة مع ارتفاع وتيرة العنف داخل أفغانستان نفسها، حتى ولو كان مرتكبو العنف من مقاتلي طالبان وحدها، دون مشاركة تذكر من مقاتلي القاعدة. وقد أثار العنف الجديد تساؤلات حول نجاح الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في أفغانستان، وهي الجهود التي كانت تسير بسلاسة إلى حدٍ كبير حتى عام 2006. غير أنه مع استمرار الحكومة الأفغانية في السماح للقوات الأمريكية بتسيير الدوريات في أفغانستان إلى أجل غير مسمى تقريباً، فليس محتملاً أن تنجح قيادة القاعدة في لملمة قواها مرة أخرى في أفغانستان مثلما فعلت إبان حكم طالبان.

 وخلاصة القول أن القاعدة جددت طاقاتها خلال الأشهر الماضية، غير أن مصرع الزرقاوي تضمن إشارة رمزية قوية إلى أنه ما من زعيم للقاعدة يستطيع أن يكون متأكداً من قدرته على الإفلات من القوات الأمريكية إلى الأبد، ومع ذلك فإن مقتل الزرقاوي لم يضع حداً لبعض الأنشطة المفضَّلة لدى القاعدة. لقد أثرت الحرب في العراق سلبياً في مقدار الاهتمام والتركيز الذي استطاعت الولايات المتحدة أن توليه للجهد الإقليمي الشامل ضد القاعدة، فضلاً عن أنها كانت سبباً في تنشيط التجنيد والانخراط في صفوف القاعدة.

 ومن ناحية أخرى، ساعدت المجهودات التنفيذية الفعالة وإجراءات الأمن القومي داخل الولايات المتحدة على منع تكرار هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ولكن لن يكون بمقدور الولايات المتحدة أن تتراخى أو تقلل من احترازاتها طالما كانت القاعدة والحركات الموالية لها تستجمع قواها في العالم الإسلامي. ولن يكون بالإمكان التخلص نهائيا من تهديد تنفيذ "القاعدة" عملية ثانية داخل الولايات المتحدة إلا بإيجاد الحلول لبعض الصراعات الإقليمية التي ترفد التنظيم وتدعمه، خاصة التوصل إلى حل تفاوضي للصراع في العراق، وإيجاد سلام شامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات