العلاقات الأطلسية-الشرق أوسطية.. من الحوار المتوسطي إلى مبادرة إسطنبول

د. مصطفى علوي: العلاقات الأطلسية-الشرق أوسطية.. من الحوار المتوسطي إلى مبادرة إسطنبول

  • 8 مايو 2005

حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي نعرفه الآن غير "الناتو" الذي كان يواجه الاتحاد السوفييتي منذ عام 1949 وحتى ديسمبر/كانون الأول 1991، ولقد عبر "الناتو" عن ذلك التغيير الجوهري في عقيدته وتوجهه بصياغته لبرنامج "الشراكة من أجل السلام"، الذي مهّد لانضمام دول حلف وارسو السابق إليه لاحقاً، ثم بتوجهه إلى العمل "خارج المنطقة"، وإقامة علاقة حوار مع دول جنوب وشرق المتوسط، وتدخله في إدارة أزمات دولية معقدة وحادة خاصة في البلقان.

فمنذ عام 1992 بدأت دول "وارسو" سابقاً تدق أبواب "الناتو"، وذلك لأنها وجدت أنها داخل هذا الحلف ستكون أكثر أمناً، إذ إن روسيا أكبر حليف وضامن لها في الماضي بدأت تبدو لها كمصدر تهديد محتمل في الحال أو الاستقبال، ولقد كان التحاق دول "وارسو" بـ "الناتو" أسرع من التحاقها بالاتحاد الأوروبي، إيماناً منها بأهمية "الناتو" في كفالة الأمن لكل منها.

ومن ناحية ثانية، دفعت أزمات البلقان (البوسنة وكوسوفو) حلف "الناتو" إلى أداء دور جديد بالمشاركة في إدارة تلك الأزمات بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما تدخل "الناتو" في مقدونيا بطلب منها لمنع وقوع تلك الدولة الوليدة في حالة حرب أهلية.

ومع هذه التطورات أصبحنا أمام "ناتو جديد مختلف". ولموازنة هذا التوجه الكبير نحو الشرق، ولو قليلاً، اتجه الحلف إلى الجنوب، فدشن حواراً مع دول المتوسط منذ العام 1994، وساعد على ذلك أن عملية السلام العربية-الإسرائيلية كانت قد حققت بعض التقدم، وساعدت على خلق مناخ إقليمي إيجابي فيما يخص السلام والاستقرار في منطقة جنوب وشرق المتوسط، وأتاحت الفرصة أمام "الناتو" للإسهام في أمن واستقرار هذه المنطقة. ولقد كان الدفع الكبير في هذا الصدد من جانب دول "الناتو" الجنوبية، التي تجمعها عناصر مشتركة عدة مع دول جنوب المتوسط، أما دول "الناتو" الشمالية فتعنيها مصالح النفط والغاز، ولكنها تفتقد الصلات الثقافية التي تربط دول الحلف الجنوبية مع دول جنوب المتوسط. ولقد تخوفت دول "الناتو" الشمالية في البداية مما يمكن أن يحدثه الحوار مع دول جنوب المتوسط من تحول لموارد مهمة إلى تلك الدول، كما أنه كان ثمة تخوف من التعامل مع مفهوم كبير وليس موضع اتفاق مثل مفهوم الشرق الأوسط.

ولقد استمر الحوار المتوسطي مع "الناتو" منذ عام 1994، وأخذ صورة 26+1 (أي الحوار بين "الناتو" بكامل أعضائه وكل دولة من دول المتوسط المشاركة في الحوار)، وصورة 26+7 (أي الحوار فيما بين "الناتو" والدول المتوسطية السبع معاً). وقد كانت الدول المتوسطية الشريكة في الحوار ستاً قبل انضمام الجزائر في عام 2000، وهذه الدول هي المغرب، وتونس، ومصر، وموريتانيا، والأردن، وإسرائيل. وهذه المجموعة من الدول المتوسطية تضم دولتين غير متوسطيتين؛ هما الأردن وموريتانيا، ويغيب عن المشاركة حتى الآن في ذلك الحوار دول متوسطية هي سورية ولبنان، اللتان اتخذتا موقف عدم المشاركة في أية منابر أو صيغ للحوار أو التعاون في مسائل الأمن الإقليمي قبل جلاء إسرائيل عن أراضيهما المحتلة وتوقيع معاهدة سلام معها، كما تغيب ليبيا بسبب المعضلات التي كانت قد عانت منها علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى خلال العقود الماضية.

وكان قد عقد عشاء عمل وزاري في إطار صيغة 26+7، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2004، كما عقد لقاء للجنة العسكرية للحوار المتوسطي على مستوى رؤساء الأركان لدول الـ 26+7 في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وتجتمع اللجنة العسكرية يوم 11 مايو/أيار 2005، حيث ينضم إلى اجتماعها رؤساء الأركان في كل من روسيا وأوكرانيا ودول الشراكة من أجل السلام، بالإضافة طبعاً إلى نظرائهم من دول "الناتو" الستة والعشرين ومن دول الحوار المتوسطي السبع.

وعلى الرغم من زيارة السكرتير العام لحلف "الناتو" لأربع من دول المنطقة، وزيارته المرتقبة إلى مصر في خريف 2005، وزيارة نائب السكرتير العام للعديد من دول المنطقة، واستمرار الحوار المتوسطي على مدى عشرة أعوام، فإن حصيلة ذلك الحوار كانت متواضعة. ويُعزى ذلك إلى عدد من الأسباب على رأسها سوء الإدراك المتبادل فيما بين طرفي الحوار وعدم كفاية جهود وحملات العلاقات العامة الرامية إلى تصحيح ذلك الوضع، فـ "الناتو" يعاني في بلدان المتوسط من الصور السلبية التي خلفها وراءه الاستعمار الغربي في هذه البلدان، ومن إدراك شعوب المتوسط له كمنظمة تقع تحت السيطرة الأمريكية، ومن صورته كمنظمة عسكرية. ومن ناحيتها، تعاني دول المتوسط من إدراك شعوب دول "الناتو" لها كدول متخلفة مُفرِّخة للإرهاب ومهددة لأمن العالم واستقراره، وهو الإدراك الذي عززته أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

ولذلك فإن "الناتو" طرح في قمة إسطنبول في يونيو/حزيران 2004 مبادرة جديدة للتعاون مع دول الشرق الأوسط الموسع وشمال أفريقيا، مع الاستمرار في عملية الحوار المتوسطي. ولأن دول جنوب المتوسط أصرت على الفصل بين مبادرة إسطنبول للتعاون Istanbul cooperation Initiative مع الشرق الأوسط الموسع وبين الحوار المتوسطي، فإن "الناتو" حدد هدفه من مبادرة إسطنبول في تحقيق التعاون مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي دخلت ثلاث منها بالفعل؛ هي الكويت وقطر والبحرين في هذه الشراكة.

وهذه المبادرة تقوم على منهج التعاون الثنائي بين "الناتو" وكل من الدول الشريكة، في المجالات العسكرية العملية، وبخاصة ما يتعلق منها بالإصلاح الدفاعي، وإدارة العمليات المشتركة Interoperability، والحرب على الإرهاب، ومكافحة أسلحة الدمار الشامل.

والواقع أن الجمع بين مبادرتي الحوار المتوسطي وإسطنبول للتعاون، على ما بينهما من تفاوتات في تعريف المنطقة الجغرافية لكل منهما وفي تحديد مسائل التعاون وأنشطته وللدول الشريكة في كل منهما، يثير أسئلة مهمة ومنطقية حول القيمة المضافة التي يمكن أن تتحقق عن الحوار أو عن التعاون مع "الناتو" لكل من الأطراف الإقليمية الشريكة، وخصوصاً على ضوء إصرار الحلف على عدم الخوض أو المشاركة في عمليات أو أنشطة تسعى إلى تسوية الصراعات أو إدارة أزمات الأمن الإقليمي، أو الاكتفاء في ذلك بأنشطة رمزية محدودة القيمة، وإصراره على عدم لعب دور في مسألة أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وبخاصة السلاح النووي الإسرائيلي، فضلاً عن محدودية فرص وآفاق التعاون في مجالات الإصلاح الدفاعي والإدارة المشتركة للعمليات مع الدول الأصغر في المنطقة، وجميعها أسئلة في حاجة إلى مزيد من التحليل والتمحيص.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات