العراق: المواقف الدينية المتناقضة تثير البلبلة

  • 8 ديسمبر 2005

منذ أيام قال رئيس ديوان الوقف السني في العراق، أحمد عبدالغفور السامرائي، إن المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة في الخامس عشر من الشهر الجاري "واجب شرعي ومن يتخلى عنها آثم"، ثم جاءت "هيئة علماء المسلمين"، وهي إحدى كبرى الهيئات السنية في العراق، يوم الثلاثاء الماضي، لتعلن أنها قد قررت عدم المشاركة في الانتخابات أو في أي عملية سياسية في ظل وجود الاحتلال. وبعد أن دعا المرجع الشيعي العراقي، علي السيستاني، إلى عدم الزج باسمه في الحملات الانتخابية، وأنه لن يدعم أي قائمة من القوائم المشاركة في الانتخابات، عاد وانخرط في العملية السياسية من منطلقات دينية طائفية، حيث أعلن مكتبه منذ أيام أنه يدعو إلى المشاركة بقوة في الانتخابات والتصويت للمرشحين في الكتل الدينية وتجنب التصويت للكتل الضعيفة حتى لا يؤدي ذلك إلى "تفتيت أصوات الشيعة"، في إشارة ضمنية إلى تأييد قائمة "الائتلاف العراقي الموحد".

إن المواقف السابقة لـ "هيئة علماء المسلمين" أو الوقف السني أو السيستاني، المتعارضة والمتناقضة، من شأنها أن تثير حالة من البلبلة على الساحة العراقية قبل فترة قصيرة من موعد الانتخابات، حيث تحولت الانتخابات والمشاركة فيها، من قضية سياسية ترتبط بخيارات الناخبين وتفضيلاتهم الحرة إلى قضية دينية طائفية من خلال استخدام الدين سواء لدفع الناس إلى المشاركة تفاديا للوقوع في "الإثم" أو التصويت لقوة بعينها، باعتبار أن المصلحة تتحقق بفوزها. وفي هذا الإطار فإنه ربما يحسب لـ "هيئة علماء المسلمين" أنها لم تطلب من الناخبين والقوى المختلفة اتباع موقفها حتى لا يتعرضوا إلى "العقاب الإلهي"، وإنما أكدت ضرورة امتناع العراقيين عن محاولة فرض إرادة بعضهم على بعض واحترام كل منهم لخيار الآخر، ولكن مجرد إعلانها عن مقاطعة الانتخابات ينطوي في حد ذاته على رسالة سلبية إلى السنة الذين يعتزمون المشاركة بقوة في العملية الانتخابية هذه المرة بعد أن أدركوا خطأ موقفهم في الانتخابات الماضية، والأمل أن يخالف الناخبون السنة موقف "هيئة علماء المسلمين" ويذهبوا إلى صناديق الاقتراع ليس خوفا من "الإثم" وإنما اقتناعا بأن هذا هو الطريق لبناء العراق الجديد والإطار الطبيعي لطرح الأفكار والتصورات والدفاع عن المصالح.

إن الزج بالدين في العملية السياسية العراقية ينطوي على العديد من الجوانب السلبية التي تشوه التجربة برمتها، أولها أنه يضيق الخيارات أمام الناس على الرغم من أن جوهر الديمقراطية هو فتح باب الخيارات وتعددها وتنوعها ووضع الناخب أمام العديد من البرامج والتصورات. وثانيها أنه لا يتيح لخريطة القوى السياسية المختلفة على الساحة في الظهور بوضوح وبيان الأوزان النسبية الحقيقية لها مجردة من أي غطاء ديني. وثالثها أنه يزج بالدين والرموز الدينية في صراعات السياسة بشكل يضر بالدين والسياسة ويشوههما معا.

ولكن ما يخفف من حدة القلق تجاه الظواهر الخطيرة على الساحة العراقية ومنها استخدام الدين لاعتبارات سياسية وطائفية، أن العراق يمر بمرحلة انتقالية ومن طبائع المراحل الانتقالية أنها تكون مجالا للكثير من الظواهر والتجليات والسلوكيات الخطيرة والغريبة والشاذة في بعض الأحيان التي تأخذ وقتها وتتلاشى تدريجيا في إطار عملية التطور الطبيعي، ولكن المهم أن تستمر العملية في السير إلى الأمام ولا تتوقف أو تتعثر عند هذه الظاهرة أو تلك.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات