العراق: اغتيال الهاشمي يؤكّد ضرورة وقف فوضى السلاح

  • 8 يوليو 2020

ألقت حادثة اغتيال الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي والسياسي الدكتور هشام الهاشمي بظلالها القاتمة على الشارع العراقي من شمال البلاد إلى جنوبها، وسببت مزيداً من التوتر والاحتقان والخوف من محاولات لإعادة حالة الانفلات الأمني التي تفتح الباب على مصراعيه أمام الميليشيات المسلحة التي تعمل على أسس طائفية بحتة لممارسة عربدتها بحق كل من يعارض أهواءها أو يحاول الوقوف في وجه ممارساتها.

 الحادثة التي جاءت بعد أيام قليلة من قيام قوات الأمن العراقية بمداهمة عدد من مقار ميليشيات «حزب الله العراقية» الموالية لإيران، ولم تمهل القرارات التي أصدرها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإجراء تغييرات مفصلية في قيادات الأجهزة الأمنية حتى يجف حبرها، شكلت تحدياً حقيقياً لإرادة الكاظمي وجدّيته في تنفيذ وعوده التي قطعها للشعب العراقي عامة، وللحراك الشبابي على وجه الخصوص، عند تكليفه برئاسة الحكومة التي تعهّد فيها بحماية الناشطين وملاحقة كل من يعتدي عليهم وتقديمه للعدالة، وبفرض سيادة القانون وإخضاع جميع المكونات والكيانات العاملة على أرض العراق لمظلته، ولجهوده لاستعادة قرار الدولة العراقية ومحاربة الإرهاب بأشكاله ومصادره كافة.

عملية الاغتيال التي وقعت في قلب العاصمة العراقية «بغداد» وظهر فيها الجناة وهم ينفذون جريمتهم بدم بارد ومن دون خوف أو حساب لأي تدخل من أي جهة قد يمنعهم من إتمام ما كلّفوا به أو خططوا له، كشفت هشاشة الوضع الأمني في العراق وغياب أي ضمانات لسلامتهم، وأثارت المخاوف مجدداً من عودة موجة الاغتيالات بحق الكفاءات والنخب والناشطين العراقيين، وأعادت إلى الأذهان عمليات التصفية التي مارستها الميليشيات المسلحة بحق ناشطي الحراك في أثناء الاحتجاجات التي اجتاحت مدن العراق نهاية العام الماضي وبداية العام الجاري مطالبة بتغيير النهج السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، ومحاربة الفساد والتصدي للتغلغل الإيراني وتحسين الأوضاع المعيشية التي راح ضحيتها العشرات من الناشطين والصحفيين والمثقفين.

ويبدو أن من وقف وراء الاغتيال أراد من خلاله إرسال رسالة مفادها، أنه لا حصانة ولا أمن ولا حرمة لدم كل من يقاوم نفوذ الميليشيات أو يساند ويدعم دعوات تحجيمها، ويقف ولو بالكلمة في مواجهة كل من يعترض على ممارساتها، أو يطالب بوقف النفوذ الإيراني الذي ما زال يهدد أمن العراق واستقراره وسلمه الأهلي، ويحاول التغوّل على دور الدولة العراقية ويعمل على إثارة النعرات والفتن الطائفية وتأجيج أسباب الخلاف بين أبناء الشعب العراقي، وإجهاض أي محاولة لاستعادة القرار السيادي الذي يبسط إرادة الشعب على كامل ترابه ويخضع مكوناته كافة لدستور دولته وقوانينها.

إيران، التي تشير المعطيات كافّة إلى تورّط ميليشيا «حزب الله» الموالية لها في حادثة الاغتيال، ذرفت دموع التماسيح، وأدانت الحادثة واعتبرتها عملاً إجرامياً كشف عن وجهه الخبيث باغتيال النخب «على حد تعبير سفارتها في بغداد»، وأنّ هدف حماتها ومنفذيها هو ضرب أمن واستقرار العراق، وإثارة الفتنة والتفرقة بين أبنائه وإعادة العنف إليه، في الوقت الذي حاول فيه وكلاؤها وتابعوها خلط الأوراق وتضليل الرأي العام وإبعاد الشبهات عن الميليشيات الطائفية التي ترعاها، وذلك من خلال محاولة إلصاق التهمة بتنظيم داعش الإرهابي، على الرغم من أنّ بصمات تلك الميليشيات واضحة في الجريمة التي وقعت في منطقة تكثر فيها مقرّاتها، ويصعب على مسلحي داعش الوصول إليها أو اختراقها.

المتابعون للشأن العراقي يرون أنّ هذه الحاثة تؤكّد مجدداً أهمية بسط سيطرة الدولة ووقف فوضى انتشار السلاح واستخدامه، وضرورة المبادرة في أسرع وقت ممكن إلى تفكيك وحلّ الميليشيات والتنظيمات العسكرية وشبه العسكرية كافّة، وتمكين الجيش وقوات الأمن من الإمساك بشكل جيد بزمام الأمور وعلى كامل التراب العراقي، وكذلك إعادة بناء عقيدة هذه الأجهزة التي تقع على عاتقها مهمة حماية الدولة والمواطن وتنفيذ القانون على أساس وطني مجرّد من أشكال التأثير الأخرى كافة، وبعيداً عن الطائفية والولاءات لغير الدولة العراقية، وإطلاق برنامج حقيقي وجادّ لمحاربة الفساد واجتثاثه.

المعطيات كافّة تشير إلى أنّ رئيس الوزراء العراقي يسعى جاهداً لتحقيق الأهداف التي ذكرت آنفاً؛ غير أنه وحكومته بحاجة ماسّة إلى دعم عربي ودولي واضح وحاسم يمكّنه من الوقوف في وجه إيران وأطماعها، ومساندة تتيح له احتواء المحاولات الرامية إلى استمرار حالة الفوضى والقضاء عليها، وتفعيل دور مؤسسات الدولة، وإنهاء ما تعانيه من شكلية في الدور وهامشية في التأثير على الأرض.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات