العالم والمعركة الطويلة ضد الإرهاب

  • 9 يوليو 2005

تشير "تفجيرات لندن" الأخيرة التي أوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى وأثارت استنفارا عالميا أعاد إلى الأذهان أجواء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى أن معركة العالم ضد الإرهاب هي معركة طويلة وممتدة، فعلى الرغم من كل الإجراءات التي تم ويتم اتخاذها على المستويات الأمنية والاستخباراتية والمالية لمواجهته، فإنه لا يزال قادرا على التحدي والضرب وإحداث الدمار والفوضى وتحويل الأنظار عن القضايا التي تهم حياة البشرية، فقد جاءت الأعمال الإرهابية في لندن بينما كان قادة الدول الثماني الكبرى يبحثون في بريطانيا سبل مواجهة الفقر الذي يعض ملايين البشر في العالم والتغلب على مشاكل المناخ والتصدي لأسلحة الدمار الشامل، فكانت الرسالة واضحة وهي أنه في مواجهة العمل من أجل الحياة يعمل الإرهاب من أجل الموت والخراب.

ولعل ما يميز معركة الإرهاب أنها ليست طويلة وممتدة فقط، وإنما هي ضد عدو غير واضح الملامح، فما أن يختفي في منطقة حتى يعود للضرب في منطقة أخرى، فهو دائم التطوير لأساليبه وأدواته في القتل والتدمير، لا تردعه أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية من أجل تحقيق أهدافه الشريرة، ولهذا فهو لا يتورع عن ضرب المدنيين الأبرياء واستهداف دور العبادة وتخريب المنشآت العامة والاعتداء على المباني ووسائل المواصلات وغيرها، ومن هنا، فإن هذه المعركة ليست معركة أجهزة الأمن أو الاستخبارات في العالم فقط وإنما معركة الحضارة الإنسانية بكل مكوناتها الفكرية والدينية والثقافية ضد من يريدون تشويهها وفرض منطقهم الدموي والمضلل عليها.

إن أخطر ما في "تفجيرات لندن"، وما يحدث في العراق من استهداف للمدنيين والدبلوماسيين الأجانب والضرب على أوتار مذهبية وعرقية حساسة، هو أن الذين يخططون وينفذون هذه الأعمال يغلفون إرهابهم بالدين ويرفعون شعاراته ويقتلون ويفسدون في الأرض باسمه، وهدفهم هو دفع حضارات العالم وشعوبه ومذاهبه وثقافاته إلى الصدام والصراع ليضعوا الغرب في مواجهة الإسلام والمسلمين في مواجهة بقية شعوب العالم، والسنة في مواجهة الشيعة، والأكراد في مواجهة العرب.. ولهذا فإن أكبر رد عليهم وهزيمة لمخططاتهم أن يزداد العالم تضامنا في مواجهتهم ويتعمق إيمانه بأن الإرهاب هو فعل شاذ -إجرامي ترتكبه فئة ضالة تريد العودة بالبشرية إلى عصور الظلام ولا يمكن أن يعبر أبدا عن أي دين أو أن يكون عنوانا لأي ثقافة أو حضارة. ولعل ما يبعث على التفاؤل أنه إذا كان الإرهابيون، خفافيش الظلام، ما زالوا قادرين على الضرب والتخريب والدمار، فقد فشلوا في تقسيم العالم أو دفع شعوبه وحضاراته إلى دائرة الصراع والعداء، ورغم محاولات بعض الجهات ركوب الموجة وشن حملاتهم على الإسلام والمسلمين واستعداء الغرب ضدهم، فإنهم لا يعبرون إلا عن أنفسهم ولا يعكسون توجها عاما، ولا يمثلون عنوانا للحضارة أو السياسة الغربية، وتكفي الإشارة إلى حرص الجميع على وضع ما حدث في بريطانيا مؤخرا في إطاره الصحيح بعيدا عن ربطه بدين أو ثقافة، للتدليل على ذلك.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات