الطريق ليس مفروشا بالورود

  • 27 فبراير 2005

آخر ما يحتاجه الموقف في التعاطي مع التفجير الانتحاري الذي وقع في تل أبيب وراح ضحيته أربعة إسرائيليين، هو التهديد باستئناف العمليات العسكرية، فليس من المعقول أن تتخلى حكومة شارون في لحظة عن الجهود التي بذلت لتهيئة الأجواء أمام المضي في طريق التسوية السياسية وتحقيق الهدوء والاستقرار، وليس من المعقول أيضا أن تمارس حكومة شارون الضغوط على "أبو مازن" بدلا من أن تترك له الفرصة كاملة لضبط الأوضاع والسيطرة الميدانية. وإذا كانت القيادة الفلسطينية تمتلك الإرادة السياسية والشرعية الشعبية اللازمة للمضي في طريق التسوية السياسية، فإن إسرائيل والقوى الدولية جميعها تدرك أن "أبو مازن" لا يمتلك أدوات "سحرية" يسيطر من خلالها على مختلف التيارات والاتجاهات في الساحة الفلسطينية التي تعج بمختلف أنواع المبررات والأفكار الأيديولوجية والسياسية وأيضا الأسباب الشخصية، التي يعتبرها البعض غطاء للتحرك العملياتي ضد إسرائيل.

التسوية السياسية طريق شاق وصعب وطويل يحتاج إلى طاقات تفاوضية هائلة، وإلى نوايا نقية وجهود مشتركة تضع مصلحة الأجيال المقبلة أمامها ولا تنظر إلى المحاولات التي ستخرج من هنا أو هناك لجر العربة إلى الخلف، فمعركة السلام أشد وطأة من ساحات الحروب، خصوصا بالنسبة إلى صراع تاريخي متعدد الأبعاد والأوجه مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فما حدث -حتى الآن- على صعيد التهدئة ليس سوى بداية أو مقدمة صغيرة لمعركة متوقعة على ساحات متعددة سيخوضها شارون في ساحته الإسرائيلية الزاخرة بالأصوات المتطرفة التي تعارض خطة "فك الارتباط" وأي توجه للتخلي عن الأرض الفلسطينية المحتلة، بينما سيخوض أبو مازن معركة سياسية وأمنية لا تقل شراسة على الجانب الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تترك حكومة "أبو مازن" تعمل أمنيا من دون ضغوط أو محاولات لاستعراض العضلات العسكرية، حتى لا تظهر حكومة "أبو مازن" بمظهر "الشرطي الإسرائيلي" انطلاقا من أن أي رد إسرائيلي على العملية الأخيرة يضع حكومة "أبو مازن" في زاوية حرجة يصعب الخروج منها أو تبريرها للشعب الفلسطيني الذي منح الرجل ثقته ودعمه في الانتخابات الأخيرة. إن ضبط النفس في مواجهة محاولات حرف جهود التسوية السياسية عن طريقها، أمر ملح ومطلوب ما دام الجانب الفلسطيني يعمل بجد على اجتثاث هذه المحاولات، فالكل يعلم من خلال التجربة التاريخية أن الطريق ليس مفروشا بالورود ويحتاج إلى قدر هائل من الصبر وضبط النفس تجاه الأخطاء والزلات والأعمال السلبية التي ستصدر عن هذا الطرف أو ذاك، فالجميع سيخسر في حال الانقياد وراء رغبات الانتقام وصوت العاطفة، والتجارب السابقة تفيد بأن الردود الإسرائيلية لا تفرز سوى مزيد من الانغماس في دوامة العنف المتبادل. إسرائيل جربت القوة بأشكالها وأنماطها ومستوياتها كافة مع الجانب الفلسطيني، ولم تحقق نتائج تذكر وعليها الآن أن تجرب التزامات طريق التسوية السياسية وتوفر الأجواء المناسبة له، فالرد الإسرائيلي سيعقبه رد فلسطيني آخر، والتهديدات لن تفرز سوى مزيد من التعقيدات حول مهمة "أبو مازن" ورغبته في تحقيق الاستقرار لشعبه وللمنطقة جميعها.

 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات