الضغوط على سورية: أهداف واشنطن وخيارات دمشق

د. باسكال بونيفاس: الضغوط على سورية... أهداف واشنطن وخيارات دمشق

  • 9 نوفمبر 2005

في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2005، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم 1636، الذي يدعو سورية إلى التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، التي يرأسها القاضي ديتليف ميليس، في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في 14 فبراير/شباط 2005، في خطوة تزيد الضغوط الدولية ضد دمشق، وتفتح الباب لسيناريوهات عدة تتعلق بمستقبل الحكومة السورية.

وقد بُني هذا القرار على التقرير الذي قدمه القاضي ميليس، في 21 اكتوبر/تشرين الأول 2005، إلى أمين عام منظمة الأمم المتحدة كوفي أنان، وهو التقرير الذي أفاد بوجود "مجموعة أدلة تشير إلى تورط لبنان وسورية في هذا الاعتداء الارهابي"، وووجه تحديداً أصابع الاتهام إلى "أعضاء كبار في الاستخبارات السورية"، كما أكد "نقص التعاون من الجانب السوري في هذا التحقيق الدولي المستقل".

ورغم أن نص التقرير الرسمي لم يتضمن أسماء المسؤولين السوريين الكبار المشتبه بتورطهم في هذا الاغتيال، فإن أسماء ماهر الأسد وآصف شوكت (وهما على التوالي شقيق وصهر الرئيس السوري) وعددٍ من المسؤولين اللبنانيين والسوريين الآخرين تسربت ضمن معلومات قيل إنه تم حذفها من النص الرسمي ربما مراعاة لاعتبارات بروتوكولية وإجرائية.

وكان الرئيس السوري بشار الأسد قد تعهد، في 13 اكتوبر/تشرين الأول 2005، باتخاذ إجراءات صارمة إذا ما تبين أن أحد المواطنين السوريين متورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

تشير التطورات السابقة إلى أن النظام السوري يواجه ضغوطاً تضعه أمام تحدٍ مصيري، فما السيناريوهات المحتملة؟
يمكن أن تعرض إدارة بوش على سورية "صفقة على طريقة القذافي"، من أجل وضع حد لعزلة النظام. وفي هذا المنظور، يجب أن ترضخ سورية لمجموعة من التنازلات الأليمة، لكنها لازمة، تجاه واشنطن. ويتعلق الأمر بوضع حد للتدخل السوري في لبنان، وتعزيز الحراسة على حدود سورية مع العراق لمنع مرور المتطوعين إليه، ووضع حد للدعم السوري لمنظمات إسلامية؛ مثل "حزب الله"؛ وبعض الجماعات الفلسطينية؛ مثل "حماس" و "الجهاد الاسلامي". والجزء الآخر من الصفقة هو قبول محاكمة كل الأشخاص المشتبه بتورطهم في اغتيال الحريري.

ومقابل ذلك، تُطور الولايات المتحدة علاقاتها مع سورية، فاتحةً بذلك الطريق أمام الاستثمارات، وتسمح ببقاء النظام واستمراريته. للإيجاز، وكما حدث مع ليبيا القذافي، فإن سورية الأسد ستقبل جميع الشروط الخاصة بالسياسة الخارجية المفروضة من قبل واشنطن، لكن في المقابل ستحتفظ بحرية أكبر فيما يخص سياستها الداخلية. وبالتالي، يبقى الخيار أمام الحكومة السورية إما الخضوع أو الاستقالة. أو بالأحرى قبول الخضوع على المستوى الخارجي حتى لا تتم إقالتها على المستوى الداخلي.

تشير مصادر أمريكية إلى أن مثل هذه "الصفقة" قد عُرضت فعلاً على الأسد، الذي لا يسعه إلا دفع الثمن المطلوب، حتى يتجنب عقوبات دولية محتملة ضد بلده. وهناك آراء أخرى تختلف حول مستقبل هذه "الصفقة"، إذ يقال إن السوريين على وشك قبولها، في حين يرى آخرون أن الأسد سيرفضها، معتقدا أنه يمكنه الاستمرار حتى وهو معزول دولياً. والسؤال المطروح هنا هو هل يحظى الزعيم السوري بما يكفي من القوة في بلده ليرفض مثل هذه الصفقة؟ فبعض مراقبي الساحة السورية يتساءلون عما إذا كان ما يزال فعلاً متحكماً بزمام الأمور في سورية. كما أن دمشق فقدت دعم المملكة العربية السعودية الساخطة على ما يبدو أنه تورط سوري في اغتيال الحريري. وعليه يمر النظام السوري بمرحلة عصيبة فاقداً كل دعم خارجي. فالأسد الذي كان من المتوقع أن يحضر الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2005، سرعان ما عدل عن السفر.

إن السوريين أصلاً يشعرون بالعار لخروجهم السريع من لبنان، مطأطئي الرؤوس ومن دون شروط تقريباً، لكنهم يُعوّلون على الخوف من الفوضى التي قد تحدث في حالة ما إذا سقط النظام. فهل الولايات المتحدة مستعدة للمخاطرة بتولي الإسلاميين سدة الحكم في دمشق وحدوث الفوضى وتفكك وحدة سورية؟ والسيناريو الكارثي حينئذ هو توحد المتمردين في العراق وسورية ولبنان. فلطالما لعب الرئيس الأسد ووالده على أوتار الخوف من استيلاء الاسلاميين على الحكم. والعديد من معارضي الأسد يقولون إنه إذا كان هناك خيار بين العلويين والولايات المتحدة، فسيختارون العلويين. وعليه، فإن انقلاباً عسكرياً يكاد يبدو احتمالاً أقل ترجيحاً.

على الصعيد الداخلي أيضا، يُنظر إلى النظام على أنه خائر القوى ومنهك، حيث إن وعود الانفتاح التي تم تقديمها عند اعتلاء الأسد سدة الرئاسة لم تتحقق أبداً على أرض الواقع. واقتصادياً، يبدو الوضع مأساويا حيث أن 30% من بين 18 مليون سوري يعيشون تحت خط الفقر، و 2.2 مليون عاجزون عن سد احتياجاتهم الأساسية، حسب أرقام برنامج الأمم المتحدة للتنمية. وقد دق صندوق النقد الدولي ناقوس الخطر في أكتوبر/تشرين الأول 2005، حين أفاد أن سورية قد تقع أسيرة عدم الاستقرار المالي، والتدهور الضريبي، وارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض معدل النمو.

رسمياً، تريد الولايات المتحدة تغييراً في السلوك وليس تغييراً في النظام بسورية. لكن آخرين يرون أن الولايات المتحدة تعمل من أجل إطاحة النظام السوري الحالي، وتبحث عن البديل المناسب لإحلاله مكانه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات