الصومال: المحاكم الإسلامية تخلط الأوراق

عبدالوهاب بدرخان: الصومال:... المحاكم الإسلامية تخلط الأوراق

  • 21 يونيو 2006

ماذا كان يتوقع أن يحصل في الصومال بعد خمسة عشر عاماً على انهيار الدولة وتفتت أجهزتها الأمنية والإدارية، وبعد تدخل دولي "إنساني" قادته الولايات المتحدة ثم انسحبت؟ خلال تلك الفترة سادت الميليشيات، وأكل بعضها البعض الآخر، فتوالت، وكبرت، ثم انقسمت على نفسها، وراحت القبائل والأعراق تستأثر بمناطقها، حتى أصبحت البلاد مجموعة متنافرة من الدويلات ومناطق النفوذ.

 في مثل هذا الوضع عادت الحياة في الصومال إلى ما كانت عليه في عصور ما قبل الدولة، بل ما قبل الصناعة، لا يربطها بالعصر سوى هذا السلاح الذي يحمله المقاتلون ويمارسون به الإرهاب ضد مواطنيهم، أو لعل الرابط الوحيد بين الصومال والعالم كان يتمثل بالنشاط الإنمائي الذي ترعاه الأمم المتحدة. وكان من الطبيعي أن يحتاج الناس إلى شيء من "القانون" يمكن الاحتكام إليه، وفي مثل هذه الحال كان من الطبيعي أيضاً أن يصار إلى الاستنجاد بمرجعية الإسلام والشريعة.

  قد تكون هذه العودة إلى المحاكم الإسلامية، ومساهمة التجار وبعض مكونات المجتمع في إبرازها ودعمها، هي التي أمّنت شيئاً من الانضباط النسبي وسط الفوضى العارمة وغياب أي مشروع لتطبيع الأوضاع ومعاودة إنهاض الدولة. ثم إن معايشة الصوماليين للميليشيات التي تكتلت أخيراً فيما سمي "التحالف من أجل السلام وضد الإرهاب"، جعلتهم أقرب إلى قبول "المحاكم" التي قد تفرض عليهم قيوداً اجتماعية إلا أنها لا تستهتر بحياتهم. فكل شيء أصبح نسبياً في بلد أضاع المعايير والقيم.

 في العام 93-1994 أعطى الصومال برهاناً مجدداً على أن التدخل الدولي، بالأحرى الأمريكي، قد يكون وبالاً، إلا أن انسحابه لا بد أن يكون بداية كارثة طويلة المدى. قبل عقد من ذلك، في العام 82-1983، كان تدخل آخر في لبنان قد أشعل صراعاً دموياً، إلا أن انسحابه أدى إلى انهيار الاقتصاد والعملة وشلّ الدولة على رغم وجود رموزها من جيش وحكومة ومؤسسات. صحيح أن انهيار الدولة حصل في الصومال قبل التدخل الدولي، إلا أن هذا التدخل لم يأت بمشروع لإحياء الدولة. كان ذلك يتطلب عملاً سياسياً دؤوباً وسريعاً، لكن غموض الأجندة الأمريكية آنذاك وعدم تمكين أجهزة الأمم المتحدة من تقديم  خبراتها ومشوراتها للقوى المؤهلة، وكذلك تجاهل أدوار دول الجوار وصراعاتها داخل الصومال أجهضت كل الأغراض " النبيلة" للتدخل الدولي، وبالتالي ساهمت في تكريس سلطة "أمراء الحرب"، وتركت البلد في مأزق مفتوح، لكنه بدا مريحاً للجميع. إذ طالما بقيت الفوضى داخل الصومال فإنها تبرر كل التدخلات لإدامة الاقتتال الأهلي، أما إذا كان هناك سعي إلى إعادة الدولة فإن الجميع يريد أيضاً أن تكون له حصة فيما سيكون.

 هذا ما يبدو أن حملة "المحاكم الإسلامية" أوحت به، خصوصاً بالسرعة التي أنجزت بها سيطرتها، والطموحات التي تشي بها تحركاتها، فضلاً عن وجود تيار شعبي يبدو مسانداً لها على الرغم من أن الصوماليين فقدوا الثقة في كل القوى. لذلك فإنهم يتعاملون بحذر مع كل طرف، سواء كان الحكومة الانتقالية وبرلمانها، أو المحاكم التي ربما اختبروها أكثر من سواها، أو الميليشيات التي لم تستطع يوماً أن تقدم برنامجاً شفافاً لإعادة السلم الأهلي وتوحيد أجزاء البلد.

 في أي حال، تبدو هذه الأطراف – الحكومة "والمحاكم" و"التحالف" – مجرد تعبيرات عن تركيبات إقليمية، تحت رقابة دولية، لكنها تركيبات متصارعة. ولم تنجح أي جهة، لا الجامعة العربية ولا "الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف" (إيجاد)، ولا الأمم المتحدة، في جلب هذه الأطراف إلى الحوار والتوافق. وحتى الدعوات والمبادرات التي ظهرت أخيراً، مثل المسعى الذي يحاوله الرئيس اليمني، تشير إلى قلق دول الجوار واهتمامها، إلا أنها لا تبدو ناضجة إلى الحد الذي يمكن أن يبلور صيغة حل واتفاق. ففي النهاية، عندما يحين الوقت وتتأمن عناصر التوافق، فإن الدولة التي تحددها الولايات المتحدة هي التي ستستضيف الأطراف الصومالية. وهذه الدولة ستغدو "مكلفة" أمريكياً برعاية الوضع الصومالي ومراقبته. وكانت أثيوبيا إلى حين موضع ثقة لهذه المهمة، إلا أن أطماعها في الصومال والنزاع التاريخي على إقليم أوجادين شكلا تناقضاً في المصالح. لكن أديس أبابا واصلت دعم عدد من "أمراء الحرب"، واستخدمتهم لتحقيق مصالحها، وحاولت استغلال الحرب على الإرهاب لإقناع الولايات المتحدة بدعم هؤلاء أيضاً، خصوصاً أنهم قدموا كل ما يلزم من وعود لنيل المساعدات الأمريكية، علماً بأن بعضهم كان ساهم في مقاتلة الأمريكيين حين حلـّوا في مقديشيو في 1992.

 وعلى خلفية الهاجس الإرهابي هذا أشيعت باستمرار أخبار عن وجود خلايا لتنظيم "القاعدة" في الصومال. ولم تؤكد المعلومات عن هذه النشاطات لا من مصادر أمريكية، ولا من مصادر أخرى محايدة. لكن "الإرهاب" كان ولا يزال سلعة مطلوبة لاستدراج ملايين الدولارات وأطنان الأسلحة والذخائر ومئات الخبراء والمعدات اللوجيستية. طبعاً، زاد الشبه بين "المحاكم الإسلامية" و"طالبان" الأفغانية الاشتباه باحتمال نشوء بؤرة مماثلة لتلك التي عرفتها أفغانستان وحظيت في بدايتها بترحيب أمريكي صامت. هذه المرة لا ترحيب ولا تشجيع، وإنما غضب صامت وتساؤلات. إذ إن انتصارات "المحاكم" كانت مفاجأة مثلما كان تقهقر "التحالف" أمامها مفاجأة أيضاً. لكن "المحاكم" تختلف عن "طالبان" بأنها ولدت في حضن المجتمع، وتبدو أكثر وعياً للتنوع القبلي والعرقي والمناطقي. أما المؤكد فهو أن "المحاكم"، مثل شريحة كبيرة من الصوماليين، لا تكـّن حباً خاصاً للولايات المتحدة، والأهم أنها تعارض بشدة أي تدخل دولي.

 ما لم يُفهم تماماً هو وضع الحكومة الانتقالية التي تحظى بقبول في الخارج أكثر منها في الداخل، فلا الولايات المتحدة دعمتها ولا ميليشيات "التحالف" اعترفت بها، وها هي "المحاكم" تبدو مناوئة لها. وإذا كانت هذه الحكومة موجودة بـ "شرعية" من دول الجوار الإقليمي، فإن هذه الدول لا تبدو قادرة حتى على حمل الكيانين شبه المنفصلين – "بونت لاند" و"جمهورية أرض الصومال" – على التقارب معها. وعموماً تعاملت دول "إيجاد" ودول الجوار والجامعة العربية مع الحكومة الانتقالية بصفتها تمثل ما تبقى من "شرعية" الدولة الصومالية البائدة، واعتبارها نواة مفترضة للدولة الجديدة، لكن هذه الجهات لم تبلور توافقاً واضحاً فيما بينها لحسم الموقف من هذه "الحكومة" ودورها. والأهم أنها لم تتمكن من إقناع المؤسسات الدولية بتوفير مساعدات كافية للحكومة كي تتمكن من اختراق الأمر الواقع. وطالما أنها لا تملك قوة عسكرية ولا قدرة مالية فإنها لن تستطيع المبادرة. لذلك فإن بروز "المحاكم الإسلامية" يعيد خلط الأوراق ويضعف مكانة هذه الحكومة، خصوصاً أن "المحاكم" تعتمد أكثر على مصادر تمويل داخلية كما تستند إلى دعم إقليمي ولو محدود لتأمين حاجاتها العسكرية.

 من الواضح أن الحكومة الانتقالية لا تستطيع الاستمرار من دون تدخل خارجي، وهو ما طلبه البرلمان الذي انعقد في مدينة بيداوه. وأي تدخل بات مرشحاً الآن للاصطدام بالإسلاميين الممثلين بـ "المحاكم"، ولا بد له بالتالي من أن يكون تدخلاً مؤهلاً للقتال ويصعب تصور اتفاق في الاتحاد الإفريقي على تدخل كهذا، كما أن "مجموعة الاتصال حول الصومال" التي أنشأتها الولايات المتحدة (تضم خمس دول حتى الآن) لم تشر بعد إلى أي تدخل خصوصاً أن الأمم المتحدة أبدت حذراً شديداً في التعاطي مع المعطيات الجديدة للملف الصومالي. ويمكن اختصار المواقف الآن بالآتي: أولاً، لا شك أن الوضع الصومالي يحتاج إلى تدخل دولي. ثانياً، لا يمكن التدخل لإدارة الصراع الداخلي الدائر. ثالثاً، أي تدخل لا بد أن يساند جهة شرعية قادرة على تسلم الحكم والتفاهم مع مكونات البلاد كافة. رابعاً، رفض التعويل على "المحاكم الإسلامية" التي أكد عدد من قادتها عزمها على إنشاء دولة إسلامية. خامساً، حضّ دول "إيجاد" على تقويم الوضع ودرس إمكان تقديم دعم عسكري وسياسي ومالي للحكومة الانتقالية. سادساً، التنسيق مع دول الجوار لدعم مبادرة موحدة.

 وفي الوقت الذي تأكدت الولايات المتحدة أنها فضلت الوقوف مع "أمراء الحرب" على أمل اصطياد بعض عناصر "القاعدة" في الصومال، وأهملت ضرورة بناء مشروع لإعادة النظام والقانون، بات هذا الهدف يتطلب الآن انتظار جولة طويلة من القتال الداخلي قبل أن يحسم الموقف على نحو يمكن تطويره. والملاحظ في مجمل التحركات أن الولايات المتحدة تتجه إلى الاعتماد على الاتحاد الإفريقي ومجموعة "إيجاد" مستبعدة أي دور حيوي للجامعة العربية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات